مِنْ مَحِيصٍ
إبراهيم : 21 .
فما زال الأتباع - في هذا المشهد - على غبائهم وسذاجتهم ، وانقيادهم للمتبوعين ، اعتقادا منهم أنّ المتبوعين يملكون قدرة فائقة على دفع العذاب عنهم ، ولكنّ الصورة لا تترك هؤلاء الذيول الضعاف على تصوراتهم في أسيادهم كما كانوا في الدنيا يفعلون ويعتقدون ، فها هم أولاء أمامهم عاجزون ضعفاء مثلهم أيضا .
ويكرّر القرآن الكريم تصوير مشهد الأتباع والمتبوعين ، وما يدور بينهم من حوار واتهام وخصام ، وذلك لأهمية الدور الذي يقوم به المتبوعون في الدنيا بإضلال أتباعهم عن الطريق المستقيم .
يقول تعالى :
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ ، إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ ، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ ، وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ
البقرة : 165 - 167 .
والتركيز في هذا المشهد ، على إبراز تبرؤ المتبوعين من أتباعهم ، يوم القيامة ، وتمني الأتباع أن يعودوا إلى الدنيا ، بعد أن عرفوا حقيقة متبوعيهم لكي يتبرءوا منهم أيضا .
وهذا المشهد من مشاهد القيامة ، يعرض على الأتباع ، وهم ما زالوا في الدنيا ، ليحذرهم من هذا الانقياد المعروفة عواقبه ، فهم ما زالوا يملكون تحقيق أمنيتهم في التبرؤ من متبوعيهم .
وهذه طريقة القرآن الكريم في تصوير المشهد قبل وقوعه بما فيه من مواقف ، وحقائق ، ولمسات نفسية ، لتحقيق الغرض الديني منه .
كما أن هذه المشاهد ، تبرز اتصال الدنيا بالآخرة ، إذ ينتقل الناس بأحوالهم ومواقفهم واعتقاداتهم وأفعالهم ، وأدوارهم إلى اليوم الآخر ، ليحاسبوا على ذلك كلّه ، ويواجهوا نتائج أعمالهم . فصورة الإنسان في مشاهد القيامة ، هي امتداد لحياته في الدنيا ، بلا فواصل بين الدنيا والآخرة حتى يبقى اليوم الآخر قريبا من حسّه وشعوره ، فيكون مستعدا له ، وحذرا من وقوعه المفاجئ ، ويقف الشيطان من وراء الأتباع والمتبوعين ، يدفع الأتباع ويغويهم بالانقياد ، ويغري المتبوعين بتضليل الأتباع والضعفاء ، ثم ينفض يديه هو أيضا يوم القيامة