تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
في الإضلال والإفساد ويصوّر القرآن الأتباع والمتبوعين في مشهد حيّ شاخص ، وهم في حالة خصام وجدال وحوار ، وكلّ فريق يحمّل الآخر مسؤولية كفره وضلاله ، ويستمر الحوار والجدل بينهما بلا فائدة يقول تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ، قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ، وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ، وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ
سبأ : 31 - 33 . فالصورة هنا ترسم مشهد الأتباع والمتبوعين ، وتعرضه وكأنه حاضر الآن بالاعتماد على فعل الرؤية « المضارع » من بداية المشهد ، لاستحضاره حيا شاخصا ، ويزيد الحوار من حيوية المشهد ، وحضوره ، وتأثيره في النفس ، فيرى فيه الأتباع والمتبوعون صورتهم حقيقة واقعة ، بكل ما فيها من تفاصيل دقيقة ، وأدوار ومواقف ، وأهداف في الدنيا . فالمتبوعون يقومون بدور خبيث في إضلال الأتباع ، ويسلكون كلّ سبيل لتحقيق ذلك ، ويستمرون بالتضليل في الليل والنهار بمكر ودهاء ، لتحقيق إضلال الأتباع عن الحقيقة ، لينقادوا إليهم . وتتعرّى صورة المتبوعين ، أمام الأتباع وهم ما زالوا في الدنيا ، ليتخلّصوا من هذه التبعية قبل فوات الأوان ، لأن المعاذير في مشهد يوم القيامة لا تفيد ، وكذلك إلقاء التبعة على المتبوعين أيضا . فها هي ذي الأغلال والسلاسل تطوّق أعناق الكافرين أتباعا ومتبوعين جزاء بما كانوا يعملون . وهذا الجزاء للمتبوعين على ما قاموا به من أدوار في تضليل أتباعهم ، والأتباع لأنهم لم يستخدموا عقولهم حين انقادوا للمتبوعين هذا الانقياد الأعمى الضال . وتلمس الصورة الفنية حالة الأتباع الضعيفة ، وقصورهم في فهم الحقائق والمواقف والأهداف . يقول تعالى :
وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً ، فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ، قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 351 | عبد السلام احمد الراغب