يَخْتَصِمُونَ ، تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ، وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ، فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ، فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
الشعراء : 92 - 102 .
فهذا المشهد المعروض هنا هو من مشاهد القيامة ، ولكنّ القرآن يعرضه وكأنه حاضر الآن ، فيوجّه السؤال المباشر لهم ، ويتكرر السؤال ، ويترك الجواب بدون تحديد ، لأنه مفهوم من السياق ، ثم الأفعال المضارعة ، ساعدت على استحضار المشهد ، وبعث الحياة فيه « تعبدون ، ينصرونكم ، ينتصرون ، يختصمون . . . »
ويزيد الحوار من حيوية المشهد ، وتأثيره في النفوس
قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ . . .
.
وتعرض الحقائق الدينية ، على ألسنتهم ، بعد أن اتضحت لهم ، وانكشفت ، فمساواة هذه الآلهة بالله رب العالمين ، ضلال وشرك ، وكذلك الانقياد للمجرمين ، ثم في اليوم الآخر لا تنفع إلا الأعمال ، فليست هناك شفاعة أو صديق حميم ، يساعد صديقه ، ولم تبق إلا الأمنيات التي فات أوانها ، زيادة في إظهار ألمهم وحسرتهم . ويلاحظ هنا كبكبة الأتباع والمتبوعين في النار ، مع إبليس وجنوده أيضا ، لأن إبليس هو الذي يوسوس للإنسان ، ويغويه بالضلال .
وذكر إبليس هنا ، يوحي بأنهم أتباع الشيطان ، الذي هو عدو الإنسان الأول .
وتعرض الصورة مشهدا آخر للأتباع والمتبوعين ، والمتبوعون هذه المرة هم الشياطين ، والأتباع من الإنس ، وينشأ بينهم الجدال والخصام ، واتهام كل فريق للآخر ، وتتضح الحقائق ، والطبائع ، من خلال الحوار الدائر بين الفريقين يقول تعالى :
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ، قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ ، قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ، وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ ، فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ ، فَأَغْوَيْناكُمْ ، إِنَّا كُنَّا غاوِينَ ، فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ
الصافات : 27 - 33 .
فالشياطين ضالّون بطبيعتهم ، لهذا فهم يقومون بدور إغواء الإنسان لتضليله عن الطريق السوي ، والإنسان ، ليس ضالا بطبعه ، ولكنه مستعدّ له ، حين يعطّل حواسه ، ويغفل عن ربه ، فجريمته لا تقل عن جريمة الشيطان ، لهذا اشترك الأتباع والمتبوعون في المصير في النار ، كما كانوا مشتركين في الدنيا في الضلال والفساد .
والمتبوعون قد يكونون من البشر أيضا ، يقومون بالدور نفسه الذي تقوم به الشياطين