تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
لهذا يصوّر القرآن الكريم على سبيل الافتراض ، رفض قبول فدية من الإنسان مهما كانت كبيرة حتى يسدّ الأبواب على الكافرين ، فلا يفكّروا في مثل هذه المواقف أن يفتدوا أنفسهم ، كما كانوا يفعلون في الدنيا . يقول الله سبحانه وتعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
آل عمران : 91 . بل إن القرآن الكريم يضاعف من التصوير التخييلي ، فيفترض أن لهم ما في الأرض جميعا ، ومثله معه ، وحاولوا الاقتداء به ، ما قبل منهم ذلك
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ
المائدة : 36 . والمجرم أيضا يودّ لو يفدي نفسه بأعزّ الناس إليه .
يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ، وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ، وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ
المعارج : 11 - 14 . وصورة الفداء ، تتواصل مع الصور الأخرى ، في رسم الأهوال والفزع لأولئك الكافرين ، ورغبتهم في النجاة بأي وسيلة بالفداء ، أو الندم ، أو التوبة ، أو الأمنيات ، ولكن موعد ذلك قد فات ، فاليوم الآخر هو للجزاء ثوابا أو عقابا على الأعمال . ولم يبق لهؤلاء إلا اتهام أسيادهم ، الذين أضلّوهم ، لتحميلهم مسؤولية كفرهم وضلالهم ، وهي المحاولة الأخيرة لهم ، للإفلات من العذاب . ويصوّر القرآن الكريم مشاهد للأتباع والمتبوعين ، وهم يتحاورون ، ويتعاتبون ، ويلقي كلّ منهم المسؤولية على الآخر ، ولكنّ النتيجة لهم معا ، هي القذف في النار . وهذه المشاهد ، تعرض أمامهم حيّة حاضرة ، وهم ما زالوا في الدنيا ، يرون صورتهم ممتدة في اليوم الآخر ، فيرون أسيادهم ، يتملّصون منهم ، ويتهربون ، ليتركوهم وحدهم في مواجهة الحساب والعذاب . وتتواصل هذه المشاهد ، مع المشاهد الأخرى في إيضاح الحقائق الدينية ، وتقريب اليوم الآخر من الإدراك البشري من خلال صور مألوفة لدى الإنسان . وتتسم كثير من مشاهد الأتباع والمتبوعين بالسخرية والتهكم ، لتحقيق التأثير الديني ، يقول تعالى موجها السؤال للكافرين للسخرية منهم :
أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ ، وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ، قالُوا وَهُمْ فِيها