على صاحبها ، لأنّ هذه الحواس ملازمة للإنسان عندما اقترف الآثام والذنوب .
يقول تعالى :
حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ، وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ، وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ، فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ . . .
فصلت : 20 - 24 .
فهذه الصورة مثيرة ومخيفة ، يتّحد فيها الزمان والمكان ، والأعمال الظاهرة والمستترة ، ما يعرفه الإنسان وما ينساه . . فكلّ حياة الإنسان على امتداد الزمان والمكان ، والأعمال الخفية والظاهرة ، تعرض من خلال شهادة الحواس الملازمة للإنسان ، والتي كانت هي الأداة المنفّذة لتلك الأعمال .
وتبرز قدرة الله سبحانه في إقامة الحجة على الإنسان من نفسه أيضا ، بالإضافة إلى شهادة الملكين ، وشهادة الرسل ، ومراقبة الله له ، الذي يعلم السرّ وأخفى .
ويعتمد تصوير مشهد الشهادة على الحوار ، لإحيائه وجعله حاضرا ، وزيادة تأثيره في النفس . وقد أجري الحوار مباشرة مع الجلود ، لأنها تشمل جميع الحواس الأخرى ، وهي أكثر دلالة على صدق الشهادة وعموميتها لأن الإنسان قد يعيش بدون سمع ، أو بدون بصر ، لكنه لا يعيش بدون هذا الجلد الذي هو بمنزلة الوعاء للروح وبقية الحواس ، لهذا نابت الجلود في الحوار عن بقية الحواس ، لإقامة الحجة على الإنسان ، ولهذا جسّمت آثار هذه الشهادة في نفس الإنسان في الاستفهام المعبّر عن الاستغراب والدهشة
لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا
؟ ثم عرضت حقائق العقيدة من خلال هذا الحوار المصوّر ، فبرزت قدرة الله في نطق الحواس وشهادتها ، وحوارها مع أصحابها .
وتكشف الصورة عن جهل الإنسان بحقيقة الألوهية ، حين ظنّ أنه يمكن أن يخفي أعماله ويسترها ، وهذا الظن أو السلوك ، هو الذي يردي صاحبه في النار ، وهكذا يتقرّر العدل الإلهي ، من خلال تصوير مشهد الحساب ، ويتحقّق الغرض الديني منه .
وبعد شهادة الحواس ، والرسل والملكين ، وسجل الأعمال ، والوزن ، والميزان ، لا يقبل الاعتذار لأنّ زمان الندم قد فات وحان يوم الجزاء على الأعمال .