تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
الصور فيه ، وتترابط في توضيح صورة ذلك اليوم ، وما يتم فيه من مشاهد وأهوال ، ولا يمكن تكوين صورة عن اليوم الآخر ، من خلال مشهد واحد معروض ، بل لا بد من ربط الصور في المشاهد ، وضمّ المشاهد بعضها إلى بعض ، لمعرفة ما وراءها من حقائق دينية مصوّرة . فنلاحظ أحيانا ، تصوير كتاب الأعمال المدوّنة ، وعرضه في مشاهد متعددة ، لتحقيق التأثير الديني كقوله تعالى :
وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
الكهف : 49 . فالكتاب هنا حيّ شاخص ، قد أحصى الأعمال صغيرها وكبيرها ، والأعمال مجسّمة حاضرة ، كما أنّ آثار الكتاب في نفوس المجرمين ، مرسومة في أقوالهم المستغيثة في ذلك الموقف الرهيب . والفائزون هم الذي يتلقون كتابهم بيمينهم
يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ، وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
الإسراء : 71 - 72 . فالناس هنا ، في مشهد الحشر ، جماعات وأمم ، كلّ جماعة أو أمّة ، لها عنوانها ، وكتابها ، أو نبيّها ، أو دينها « 7 » ، تعرف من خلاله ، زيادة في إقامة الحجة على البشر ، على رؤوس الأشهاد . ونلاحظ التقابل بين نموذجين من البشر ، نموذج ، يتلقى كتابه بيمينه ، وهذا هو الفائز ، يقرأ كتابه باطمئنان والنموذج الآخر هو الأعمى ، وصورة العمى في الآخرة ، هي امتداد لعماه في الدنيا عن رؤية الحق والهدى ، لهذا فهو يحشر على هذه الصورة وسط هذا الزحام الشديد ، لا يجد من يساعده ، فهو يتخبّط في مشهد الحشر ، تعجيلا في عقوبته ، قبل أن يلقى في النار . ويصوّر القرآن الكريم ، عرض الناس في المحشر ، في صفوف منظمة
وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا
الكهف : 48 . وصورة الصفوف المنظمة ، مناسبة للموقف الجليل ، ومثيرة للخيال ، وهو يتأمل أعداد
هامش
( 7 ) الكشاف : 2 / 459 ، والظلال : 4 / 2241 . وفي صفوة التفاسير الإمام هنا هو كتاب عمل الإنسان 2 / 170 .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 343 | عبد السلام احمد الراغب