أُمَّةٍ جاثِيَةً ، كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
الجاثية : 28 .
وتتواصل الصور في رسم مشاهد تسلّم كتب الأعمال ، وتنويع المشاهد ، برسم حركات وهيئات وآثار في النفس والوجوه .
فالمؤمن يتسلم كتابه بيمينه من الأمام ، تكريما له وحفاوة به ، وهو فرح مسرور يقول تعالى :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ، فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً ، وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً
الانشقاق : 7 - 9 .
ويستمرّ تصويره بعد تسلّمه كتابه ، فهو مسرور بما يقرأ فيه من أعمال صالحة قادته إلى عيشة راضية . يقول تعالى :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ . .
الحاقة : 19 - 21 .
وأمّا الكافر فإنه يتلقى كتابه بشماله ومن وراء ظهره ، تحقيرا له وإذلالا ، قال تعالى :
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ ، فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً ، وَيَصْلى سَعِيراً
الانشقاق : 10 - 12 .
وقوله أيضا :
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ، وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ، ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ، خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ
الحاقة : 25 - 31 .
وهنا تجسّم الأعمال أيضا ، في صورة مادية محسوسة ، تحيي المشهد المعروض ، وتعمق أثره في الحس والشعور ، وتتفاعل الصورتان فيه ، صورة الماضي ، وصورة الحاضر للكافر ، وتتواصل الصورتان بين الماضي والحاضر ، لإبراز الفروق بين الصورتين ، فهو الآن يدعو على نفسه بالهلاك والموت ، حتى لا يلاقي الحساب والعقاب ، وتصويره وهو يتمنّى الموت ، يعبّر عن منتهى ألمه وعذابه . وقد قال المتنبي في هذا المعنى :
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا * وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا .
ثم تعرض صورته في الماضي حين كان صاحب مال وسلطان وقوة ، لزيادة حسرته وألمه ، أنه أنفق حياته فيما لا يفيد ، وكذلك ربط حاضره بماضيه المظلم ، حتى يتضح العقاب على الأعمال الماضية ، ثم يشتد المشهد بحركة الأخذ العنيفة ، وربطه ، وإلقائه في النار .
ويشخّص أحيانا كتاب الأعمال ، وتضفي عليه الصفات الإنسانية ، زيادة في إحياء المشهد ، والتأثير فيه ، كقول الله سبحانه تعالى :
هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ