البشر من أول خلق الإنسان إلى الحساب ، وهم يقفون على هذه الهيئة ، استعدادا ، لتلقي سجل أعمالهم . والخزي مرسوم على وجوه الكافرين ، والسرور واضح في قسمات وجوه المؤمنين ، والله يواجه الكافرين والمجرمين بذنوبهم ، ويضع أمامهم سجل أعمالهم الدقيق .
في هذا المشهد ، تلازم الأعمال أصحابها ، ولا تفارقهم يقول تعالى :
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً ، يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
الإسراء : 13 - 14 .
فالأعمال حاضرة مجسّمة في صورة كتاب ، مكشوف أمام الخلائق ، بعد أن كان مستورا عن أعين الناس في الدنيا ، وزيادة في توضيح الصورة ، جعله ملازما لصاحبه ، ملازمة الطائر لصاحبه .
وهذه صورة عميقة الدلالة في الحس والشعور توحي بأن الإنسان ، لا يستطيع الإفلات من أعماله ، مهما حاول ذلك ، ولك أن تتأمل صورة الإنسان في ذلك المشهد ، وهو يحاول الإفلات من طائره ، وهو يطارده في كل مكان ، وفي أي اتجاه ، وما يعانيه من هذه الملازمة أو المطاردة ، لأنه يعرف مضمون كتابه ، وما قدم في الدنيا من أعمال .
وزيادة في إثارة الألم والندم ، يتوجّه الخطاب مباشرة إلى الإنسان
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
وهذا الانتقال إلى أسلوب الخطاب ، يجعل المشهد حيا حاضرا ، وكأن قراءة الكتاب مطلوبة في الدنيا قبل الآخرة ، وبذلك يتضافر التعبير مع التصوير في تحقيق التأثير النفسي .
وتجسيم الأعمال على هذا النحو ، وجعلها حاضرة الحساب ، لمواجهة أصحابها بها . له أعمق الأثر في النفس الإنسانية ، حتى إنّ الإنسان المذنب ، يتمنى أن يكون بعيدا عن أعماله ، تفصل بينهما المسافات الشاسعة يقول تعالى :
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
آل عمران : 30 .
ومن شدة الكرب ، وأهواله ، يتمنى الكافر العدم على الحياة ، حتى لا يحاسب ، ولا يواجه بأعماله .
يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
النبأ : 40 .
كما يصوّر القرآن كل أمة جاثية على ركبها ، استعدادا لنشر الكتب والصحف
وَتَرى كُلَّ