وعرض الشياطين هنا ، يظهر دورهم في إغواء البشر ، واستمتاعهم بهذا الإغواء والإضلال ، كما أن البشر استمتعوا بدنياهم ، وغفلوا عن آخرتهم .
ويصوّر القرآن ، « الشركاء » محشورين مع المشركين ، فكما كانوا مشتركين في الضلال ، فهم الآن مشتركون في المصير أيضا . للسخرية والتهكم من عبادة المشركين . يقول الله تعالى :
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ ، فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ
يونس : 28 - 29 .
فالقرآن الكريم هنا يصوّر مهانة الكافرين ، وحسرتهم على ما فاتهم ، وضلالهم في عبادة الأصنام ، ويتهكم عليهم ، وليس هذا فحسب ، فهناك أيضا حشرهم على وجوههم ، زيادة في إهانتهم . وقد طمست جوارحهم فأصبحوا عميا وبكما وصما ، جزاء تعطيلهم هذه الحواس في الدنيا ، فالآن يسحبون على وجوههم وسط زحام المحشر ، ثم تكون نتيجتهم في النار . يقول تعالى :
وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً
الإسراء : 97 .
وتطوى الدنيا في هذا المشهد ، ليعرضوا وكأنّهم حاضرون على هذه الصورة ، وهم يسحبون على الوجوه ، على طريقة القرآن في إحياء المشاهد ليوم القيامة ، لتؤثّر في النفوس قبل مجيء ذلك اليوم الموعود .
وزيادة في تحقير الكافرين يوم الحشر ، فهم يحشرون كالقطيع يحبس أوّلهم على آخرهم ، ليتلاحقوا ويجتمعوا . قال تعالى :
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ
فصلت : 19 .
وتتلاحق صور الحشر في مشاهد كأنها حاضرة ، لزيادة التأثير من ذلك قوله تعالى :
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ ، خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ ، يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ
القمر : 6 - 7 .
وصورة الجراد ، تقرب مشهد الجموع المحشورة ، بكثرتها ، وانتشارها ، وهي تحث خطاها ، نحو الداعي الذي يدعوها إلى شيء لا تعرف عنه شيئا ، ولكن الأهوال في المحشر ، ترتسم على محيّا الوجوه ، فتبدو الأبصار خاشعة من شدة الهول والكرب والفزع ، وتجسّم معاناة