ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
الجاثية : 29 .
فكتاب الأعمال ، حيّ شاخص ، ينطق ، ويتكلم بما يحتويه من أعمال الإنسان المدوّنة ، وتدوين الأعمال أو نسخها متفاعلة في السياق ، مع نطق الكتاب بها يوم القيامة ، فالدنيا للتدوين والتسجيل ، والآخرة للشهادة والنطق بالأحكام .
والتصوير ينوّع في رسم المشاهد ، فمرّة يلمس الإنسان وحالته عندما يتلقى كتابه ، ومرّة يلمس الكتاب المدوّن ويشخّصه ، ويجعله حاضرا ينطق ويتكلم ويشهد على صاحبه ، وهذا من قبيل تنويع الصور ، لإبراز الحقائق الدينية ، واستيفائها ، واستخدام الأساليب الفنية المتعددة ، لتحقيق التأثير النفسي ، ويمضي تصوير الإنسان وهو مسوق للحساب ، ومعه سائق وشهيد ، وكأنّه يساق إلى المحكمة المعروفة ، ليسمع رأي القضاء في ما فعله هذا الإنسان ، وهذا كلّه من قبيل تقريب يوم القيامة من الأذهان من خلال الصور المألوفة لدى البشر ، في مثل هذه الحالات والظروف .
يقول تعالى :
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ
ق : 21 ، ثم يتوجّه الخطاب للإنسان مباشرة لتحقيق الغرض الديني من تصوير هذا المشهد
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
ق : 22 ، ثم يتقدّم الملك الموكل به ، بتقديم سجلّ أعمال الإنسان إلى المحكمة
وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ
ق : 23 ، وتترك الصورة بعد ذلك تفصيلات أخرى متعلقة بالمشهد ، يستحضرها الخيال ، فيراجع سجل الأعمال بنفسه ، ثم ينتظر الحكم عليها ، ولكنّ المشهد لا يبرز الحكم مباشرة ، ولكنه يوحي به من خلال النتيجة ، إمّا في النعيم وإمّا في العذاب .
وهذه الطريقة في التصوير ، تجعل الإنسان ، يتفاعل مع المشهد ، ويكمل بعض تفصيلاته بنفسه ، لتحقيق الغرض الديني والتأثير النفسي في المشهد المعروض .
وتتواصل الصور ، وتترابط في رسم مشهد الحساب ، بكلّ ما فيه من أعمال مجسّمة ، ووزن ، ووزّان ، وميزان ، وسائق ، وشهود ، لتحقيق التأثير الديني من خلال هذا التصوير لليوم الآخر .
والميزان ، دقيق ، يزن الذرّة ، وكان المفسرون يعرّفونها بأنها الهباءة المتناثرة التي ترى في