تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
وليس دائما . وهي صور مترابطة مع الصور الأخرى في إيضاح الحقائق الدينية الثابتة وتكوين الرؤية الإسلامية المتكاملة للحياة والإنسان والكون . ولكن الجديد ، هو موقف الإنسان المشدوه المبهور ، من هذه الزلزلة العنيفة ، وقد اعتادها مستقرة ، ويجسّم التعبير حالته النفسية الخائفة ، بهذا الاستفهام « ما لها » وكأنّ التعبير القرآني ، يرسم صورة الزلزلة الحسية ، وآثارها في الزلزلة النفسية أيضا . ثم تتواصل الصور في داخل السياق ، وتتفاعل في إيضاح الحقائق الدينية ، فما يكاد ينتهي سؤال الاستفهام وما فيه من حيرة واستغراب ، إلا ويرى الإنسان نفسه أمام مشهد آخر للأرض ، وهو مشهد الحشر للحساب والجزاء ، وخروج الناس من القبور في ذعر وخوف ، واضطراب ليروا أعمالهم مجسّمة حاضرة على طريقة القرآن الكريم في تجسيم المعنويات في صور محسوسة ، فالأعمال حاضرة هنا ومرئية ، وهي توزن بالميزان الدقيق ، حتى الذرة في حجمها الصغير ، توزن في هذا الميزان إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . وتترابط الصور في داخل السياق ، في حركة متفاعلة نامية لإيضاح الحقيقة الدينية ، والمغزى من التصوير . فتبدأ الصورة بحركة الزلزلة في الأرض تتبعها حركة إخراج ما فيها من أجساد ، تتبعها حركة الحيرة والاستغراب ، ثم تتبعها حركة العودة إلى الله للحساب والجزاء ، ثم تنتهي الحركة وتتوقف عند هذا الميزان الدقيق للأعمال . ثم يمضي التصوير الفني في القرآن ، ليوضّح طبيعة الأعمال الموزونة ، منها الثقيلة ، ومنها الخفيفة ، ونتائج هذه الأعمال الموزونة ، إمّا في الجنة ، وإمّا في النار ، وذلك في قوله تعالى :
الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ ، وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ ، يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ ، وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ، فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ، فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ، وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ ، نارٌ حامِيَةٌ
القارعة : 1 - 11 . فالصورة كلها أهوال مرعبة ، من مطلعها إلى خاتمتها ، وترتسم الأهوال في التصوير والتعبير معا ، فالقارعة ، بجرسها الشديد ، وتكرار الاستفهام أيضا ، يضخم من هذه الأهوال المرسومة ، ثم في حركة الناس كالفراش المبثوث ، وصورة الجبال المنفوشة ، والأعمال الموزونة ، ونتائج الأعمال ، وختام السورة بالنار الحامية ، يتناسق مع مطلع القارعة المخيف .