تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً
الكهف : 47 - 48 ، فالهول هنا يرتسم في مشهد الجبال المسيّرة ، والأرض المكشوفة بلا نتوء ولا جبال ، والحشر الجامع للبشر ، العرض الكامل لهم ، أمام الله سبحانه للحساب والجزاء ، ويترك للخيال أن يستحضر صورة الحشر للبشر ، على امتداد الزمان والمكان ، ليدرك أهوال ذلك اليوم ، ويعرف نفسه وسط هذه الجموع الحاشدة ، وهو يتجه إلى الحساب . وتجمع الصورة أحيانا مشهد الحشر ، ومشهد إنكاره ، لتحقيق الغرض الديني في التأثير في النفوس كقوله تعالى :
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ، أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ، ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ، ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ، ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا
مريم : 66 - 70 . ويتجاور هنا في السياق ، مشهد إنكار البعث ، ومشهد الحشر ، لبيان عاقبة الإنكار في الإلقاء في النار ، وصورتهم وهم جاثون على الركب أمام النار ، ينتظرون دورهم في إلقائهم فيها ، صورة حسية مرعبة فيها تعذيب نفسي لهم قبل العذاب الحسي ، كما أنها توحي باحتقارهم ، وهوانهم . ثم هناك حركة الانتزاع القوية التي تأخذ الواحد تلو الآخر من مشهد الجاثين ، لإلقائه في النار ويكفي الإنسان خوفا وهلعا أن يتصور مشهد الجثوّ على الركب ، ينتظر دوره ، لا يعرف متى ينتزع من مشهد الجاثين ليصبح من ضمن المحترقين في النار . كما يحشر الجن ، ومن والاهم من الإنس ، ثم يدور الحوار بينهم ، وكل واحد يتهم الآخر ، ثمّ يعترفون بذنبهم حين لا ينفع الندم : قال تعالى :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها
الأنعام : 128 . والمشهد حي شاخص ، يجمع الجن والإنس ، وكأنه حاضر أمامنا الآن من خلال الحوار الحي ، فيبدأ المشهد بأسلوب الغائب ، ثم ينتقل إلى الخطاب وهذا الانتقال يجعل الحدث المستقبل حاضرا كأنه مشاهد ، ويزيد من حيويته ، وتأثيره في النفوس . لأن النفوس لا تتعامل معه على أنه مستقبل بعيد وإنما هو حاضر تراه العيون .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 339 | عبد السلام احمد الراغب