تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
وتتفاعل صورة الناس ، وصورة الجبال ، مع جوّ الأعمال الموزونة ، فالناس بأحجامهم وأثقالهم ، كالفراش انتشارا وخفة ، والجبال الراسية الثقيلة ، منفوشة كالصوف ، فليس في هذا المشهد المرسوم قيمة إلا للأعمال الموزونة ، التي تحدّد مصائر البشر ، فهي التي تبرز في المشهد ، وتركّز عليها أضواء التصوير . ويركّز التصوير القرآني على قصر الحياة الدنيا ، إذا قيست بالآخرة وأهوالها . والتركيز على الزمن المحدود للدنيا ، والتأكيد على قصره ، يحقّق الغرض الديني من التصوير والتأثير . يقول تعالى :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ . . .
يونس : 45 . وتتلاحق الصور القرآنية ، في رسم مشاهد الحشر ، بعد رسم المشاهد الكونية الهائلة ، فترسم ملامح الوجوه في ذلك اليوم . فالمجرمون يحشرون زرق الوجوه ، من شدة الكرب والهمّ فتبدو الدنيا ، ومدة حياتهم فيها ضئيلة زمانا ومكانا . ويتضاءل كلّ ما فيها من ملذات ومتاع ، فتبدو قليلة القيمة ، والاعتبار ، قصيرة المدة ، من شدة الأهوال التي يرونها . قال تعالى :
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً ، يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً ، نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً
طه : 102 - 104 . فمشهد حشر الناس مكشوف ، والحقائق صارت مكشوفة أيضا واضحة للعيان ، كما أن الكون أصبح مكشوفا ، فلا غطاء في السماء ، ولا التواء في الأرض ، حين ذاك ، يخيّم الهول والرعب على الناس ، ويظهر ذلك في حديثهم الخافت ، وكلامهم الهامس ، وأبصارهم الخاشعة ، وحركتهم المضطربة . يقول تعالى :
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً
طه : 108 . وقوله أيضا :
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً
طه : 111 . وقوله أيضا :
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ، خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ
المعارج : 43 . ففي المحشر ، يعود البشر فرادى ، بلا أنساب ، ولا أحساب ، كما خلقهم الله أول مرة فرادى ، يقول تعالى :
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ،