تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
وأحيانا يجمع القرآن الكريم بين السماء والأرض ، ويقيم الروابط بينهما عن طريق التضاد ، لإظهار المشاهد الكونية المتغيّرة والهائلة ، قال تعالى :
إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ ، وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ، وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ
الانشقاق : 1 - 5 . فالسماء والأرض هنا تسمعان وتطيعان ، وتنقادان لله في الانشقاق والامتداد والاتساع وكأنهما كائنات حيّة ، على طريقة القرآن الكريم في تشخيص الجوامد ، وجعلها حيّة شاخصة ، لإظهار قدرة الله ، وتأثير فعله في هذه الكتل الكونية الضخمة ، ورسم آثار الهول والفزع في هذا الكون المنظور . وقد تلمس الصورة ضمن هذه المشاهد الكونية المتغيرة ، الصورة البشرية المتحركة للحساب ، قال تعالى :
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً ، يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً ، وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً ، وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً
النبأ : 17 - 20 . وتتلاقى هنا صورة الكون المتغيّر ، بصورة البشر المتحرّك ، لزيادة التأثير ، والإيحاء بأهوال القيامة . وقد يشتد التصوير لهذه المشاهد ، برسم حركة عنيفة شديدة ، لمظاهر التغيّر ، والانقلاب الكوني الهائل . قال تعالى :
كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ، وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ، يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي . . .
الفجر : 21 - 24 . فتصوير الأرض مدكوكة مستوية ، بهذا العنف ، وهذا التأكيد اللفظي المكرّر ، يزيد من الأهوال ، حين يتصور الإنسان نفسه عليها ، وهي تدكّ هذا الدكّ العنيف ، حينئذ ، تتضح الحقائق ، وتزال الأوهام من ذهن الإنسان ، فيتمنّى أن يكون قد استعدّ لهذا اليوم المخيف . ويتواصل تصوير الأرض في ذلك اليوم ، برسم شدّة اضطرابها ، وقد اعتاد الإنسان الاستقرار عليها ، وهي صور توحي بضعف الإنسان أمام هذه الصور الكونية المتغيّرة ، وتزيد من التأثير في حسه وشعوره ، يقول تعالى :
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها ، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ، وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها ، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها ، يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
الزلزلة : 1 - 8 . وصورة الأرض ترجف ، وتمتد أو تزلزل ، وتخرج ما في باطنها من الأجساد والأشياء ، صورة مكررة في القرآن الكريم ، لتخويف الإنسان ، وإشعاره بأن الاستقرار عليها محدود ،
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 336 | عبد السلام احمد الراغب