تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
ذنبها هي ، ولا يسأل وائدها وقد أجاب الزمخشري عن ذلك بقوله : « سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها ، نحو التبكيت في قوله تعالى لعيسى - أأنت قلت للناس إلى قوله سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق » « 5 » . وتتكرر مشاهد الانقلاب الكوني في ذلك اليوم ، ولكنّ هذا التكرار من قبيل تنويع المشاهد المصوّرة ، وليس من قبيل التكرار للشيء نفسه ، ففي كل مشهد معاد ، نلاحظ صورا جديدة ، وإضافات أخرى ، تتفق مع الغرض الديني المقصود ، والسياق الواردة فيه . فالمشاهد ، مترابطة متناسقة ، يكمل بعضها الآخر ، ضمن نظام العلاقات التصويرية والفكرية والتعبيرية ، وليس تكرارا بدون فائدة . يقول تعالى :
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ، وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ، وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ، عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
الانفطار : 1 - 5 . وتترابط الصور هنا في هذا السياق ، وتتفاعل فيما بينها في رسم الحركة والهيئة المنقلبة والمرعبة . فالسماء مشقوقة ، والقبور كذلك ، تتشقق عن الأجساد ، والكواكب ، مبعثرة متناثرة ، والقبور كذلك مبعثرة ، تنثر الأجساد من جوفها ، والبحار متفجرة ، وحركة الانفجار ، مترابطة مع حركة انفجار القبور ، وبعثرة ما فيها ، فبين هذه الصور الكونية المرعبة ، ترابط وتواصل ضمن السياق للإيحاء بالأهوال والأحوال المخيفة ، وهي بمنزلة الطوارق على الحس ، لإيقاظه ، وتهيئته لاستقبال الفكرة الدينية المطلوبة في قوله :
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
. وتتواصل الصور والمشاهد في رسم أهوال ذلك اليوم ، مع إضافات جديدة في كل مشهد معروض ، لإيضاح الحقائق الدينية ، وزيادة التأثير في النفوس ، يقول الله تعالى :
فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ، وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ ، وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ ، وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ، لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ
فالنجوم المطموسة ، مترابطة مع صورتها المنكدرة في سورة التكوير ، ضمن نظام العلاقات التصويرية ، لبيان مراحل زوالها ، فكأن مرحلة الانكدار في ضوئها ، تسبق مرحلة الانطماس ، وو هكذا نفهم الصور في المشاهد القرآنية ، فهي مترابطة ، ويكمل بعضها الآخر ، في رسم الحقائق ، وتصوير المتغيرات فيها بدقة متناهية ، وليست من قبيل
هامش
( 5 ) الكشاف : 4 / 222 .