تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
أُزْلِفَتْ ، عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ
التكوير : 1 - 14 . فالأهوال مرسومة في هذه المشاهد المتعددة ، بالألوان ، والأشكال والهيئات ، والحركات . منها الصور الضوئية المظلمة « الشمس المكوّرة ، والنجوم المطفأة ، والصورة المتحركة في الجبال المسيّرة ، تقابلها صورة متحركة مقيدة في النوق المهملة ، والوحوش الذاهلة المتجمّدة في مكانها ، والصور الحرارية في البحار الملتهبة ، والصور النفسية المجسّمة في إهمال النوق المرغوبة ، ونشر الصحف ، وإحضار الأعمال ، وجمع النفوس بأشباهها « 4 » . فكلّ الصور المألوفة ، تتحوّل إلى صور غير مألوفة ، فتتحطم صورتها في ذهن الإنسان ، بين ما يراه في الكون المشهود ، وبين ما يتخيّله في اليوم المرعب ، من انفلات نظام الكون ، وبداية نظام جديد ، حيث نرى في انقلاب المشهد الكوني تسعير الجحيم ، وتقريب الجنة ، إشعارا بيوم الحساب والجزاء ، وهما صورتان غير محسوستين من عالم الغيب ، تختم بهما المشاهد ، ويتضح الغرض من تغيير نظام الحياة
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ
. والطابع العام في تصوير هذه المشاهد ، هو تغيير المألوف المعتاد للإيحاء بالأهوال . لهذا نجد تكوير الشمس ، وانكدار النجوم ، وتسيير الجبال ، وتسجير البحار ، وكشط السماء ، بينما نجد في مشاهد أخرى تغيير المألوف والمعتاد في إهمال النوق الحبالى وعدم الاهتمام بها ، والوحوش النافرة تتقيد حركتها فلا تنطلق كالعادة . والنفس البشرية تفزع من الصور غير المألوفة ، وترتاح وتطمئن للصور المستقرة المألوفة . من هنا جاء تصوير هذه المشاهد ، معتمدا على غير المألوف ، لتحقيق التأثير النفسي المطلوب في تخويف الإنسان من اليوم الآخر ، ودفعه إلى التفكير قبل معصية أوامر الله ، لأن الأعمال ستحضر للحساب . ويلاحظ اعتماد التصوير على الأفعال الماضية المبنية للمجهول ، لأنّ هذه الأحداث متحقّقة الوقوع ، فعبّر عنها بالماضي ، للإيحاء بذلك ، كما أن بناءها للمجهول ، يتناسق مع جوّ الهول المرسوم في هذه المشاهد ، والفعل الماضي الوحيد الذي جاء مبنيا للمعلوم هو
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ
للتأكيد على مسؤولية الإنسان عن عمله . وهكذا يتناسق التعبير مع التصوير ، ضمن نظام العلاقات ، في رسم المشاهد ، للإيحاء بالحقائق الدينية . ويبقى السؤال حول عرض الموءودة هنا ضمن هذه المشاهد وسؤالها عن
هامش
( 4 ) صفوة التفاسير : 3 / 524 . وقيل المراد قرن الأجساد بالأرواح .