تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
ظهرها ، وفي باطنها أيضا صورة ضخمة مثيرة للخيال ، دالّة على القدرة الإلهية الممسكة بهذه الأرض ، التي لا تنوء بما تحمله من هذه الأثقال ، وكأنها تحمل البشر ودائع عندها إلى اليوم الموعود . ويضاف إلى الكتل البشرية التي تحملها ، كتل الجبال الراسيات ، وكتل المياه الجوفية أيضا . والعلاقة قوية بين هذه الصور ذات الأوزان ، فالجبال ، تحافظ على توازن الأرض ، والسحب والثلوج ، تتجمع فوق قمم الجبال ، فتنحدر مساقط الماء العذب . وهكذا تتجاور الصور في السياق ، ضمن نظام العلاقات الذي يربط بينها ، ويوحّد أثرها في تحقيق الغرض الديني . ولولا الجبال لمادت الأرض واضطربت ، يقول الله تعالى في بيان وظيفتها :
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ
لقمان : 10 ، وقوله أيضا :
وَالْجِبالَ أَوْتاداً
النبأ : 7 . كما أن الصورة ترسم ألوان الجبال في لوحة بديعة متناسقة الألوان : يقول تعالى :
وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ ، وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ
فاطر : 27 . وقد تضم الصورة ، مشاهد متعددة من الطبيعة في سياق واحد متناسق ، كدليل على قدرة الله سبحانه قال تعالى :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ، وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ، وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ
الغاشية : 17 - 20 . وذكر الجمال هنا من سائر الحيوانات ، اقتضاها التناسق بين أجزاء الصورة المرسومة ، فالسماء المرفوعة ، تقابلها الأرض المبسوطة ، والجبال المنصوبة في الأرض المبسوطة ، تلائمها الجمال المنصوبة السنام ، وهكذا ترسم الصور مشاهد الطبيعة بالمساحات والمسافات والخطوط والأشكال ، وتدعو الإنسان إلى تأمل هذه المشاهد المتناسقة التي تدلّ على خالقها المبدع . ومشهد تعاقب الليل والنهار من المشاهد الحسية العجيبة يدلّ على قدرة الله ، ولكن الإنسان من كثرة إلفه لهذا المشهد ، واعتياده له ، فقد التأثر به ، فتأتي الصورة في التعبير القرآني ، لتحيي هذا المشهد في حس الإنسان وشعوره ، ليدرك ما فيه من إعجاز إلهي في تدبيره وتصميمه . يقول الله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
لقمان : 29 .