فالصورة الحسية هنا تبدأ ب
أَ لَمْ تَرَ
لإحياء الصورة البصرية بالفعل المضارع المكوّن من فعل الرؤية ذاته . ثم تبدأ برسم حركة الدخول الوئيد لليل في النهار ، أو النهار ، أو النهار في الليل ، للإيحاء بالظلال المصاحبة لدخول أحدهما في الآخر في المشهد الكوني ، كما أن الصورة الزمانية لليل والنهار ، مرتبطة بالشمس والقمر ، فبحركتهما المنتظمة المتناسقة يتم تشكيل هذه الصورة الزمانية ، وهذه الدقة في تصميم الكون ، تعقبها دقة أيضا ، في معرفة أعمال البشر .
وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
.
وتتنوّع الصور الفنية في رسم حركة الليل والنهار ، لتحقيق التأثير الديني يقول الله تعالى :
وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
التكوير : 17 - 18 .
فصورة الليل وهو يعسّ في الظلام بحركة وئيدة بطيئة ، صورة حية شاخصة ، على طريقة القرآن في التشخيص ، لتحقيق منتهى التأثير بهذه الصورة الشاخصة ، ولفظ
عَسْعَسَ
بجرسه المؤلّف من مقطعين يوحي بهذه الحركة الهادئة البطيئة لدخول الليل ، ويرسم الظلال الكونية المتدرجة المصاحبة لدخوله . وصورة الصبح أيضا تعتمد على التشخيص للمشهد الكوني ، فهو يتنفس ، كما يتنفس الأحياء ولكن عن الحركة والضياء .
يقول الزمخشري : « فإن قلت ما معنى تنفس الصبح ؟ قلت : إذا أقبل الصبح بإقباله روح ونسيم ، فجعل ذلك نفسا له على المجاز » « 16 » .
ويعرضان أيضا في صورة شخصين يتسابقان في حلبة السباق ، وكلّ منهما يحاول أن يدرك الآخر ، ولكن دون جدوى ، ويبقى هذا حالهما في سباق ومنافسة إلى يوم الدين .
يقول تعالى :
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً
الأعراف : 54 .
فهذه الصورة الكونية تحاكي صورة الحياة على الأرض ، وما فيها من سباق وصراع بين البشر ، وخلع هذه الصفة المدركة ، على المشهد الكوني ، يجعله حيا شاخصا ومؤثرا ، يتحرك باتجاه هدف مرسوم له في ساحة السباق المستمر ، إلى يوم الدين حينئذ تتوقف الحركة ، وينتهي السباق تماما ، كحركة الإنسان على الأرض ، وما فيها من سباق وصراع ، تنتهي بانتهاء الحياة وهذا ما توحي به هذه الصورة الكونية الشاخصة .
ويعبر عنهما أيضا بصورة التقليب الحسية كقوله تعالى :
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ، إِنَّ
هامش
( 16 ) الكشاف : 4 / 224 .