تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
التصوير الهادف . ويقسم الله بهما ، لبيان قدرته في تنسيق حركتهما ، بما يتوافق مع حياة الإنسان كقوله تعالى :
وَالشَّمْسِ وَضُحاها ، وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها
الشمس : 1 - 2 . وتؤكد الصورة على حقيقة الألوهية الخالدة من خلال مشهد الطبيعة المتغيّر ، للرد على أولئك الذين يعبدون الكواكب والنجوم ، بعد أن فتنوا بصورتها البديعة ، وغابت عنهم حقيقتها الزائلة . فتعرض مشهدا لإبراهيم عليه السلام يقلّب وجهه في السماء ، مستدلا بأفوال الكواكب والنجوم على إبطال عقيدة قومه ، الذين كانوا يعبدونها ، قال تعالى في تصوير هذا المشهد :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي . فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الأنعام : 75 - 79 . فإبراهيم لم يكن شاكا بوجود ربه ، وهو النبي المعصوم ، وإنما أراد أن يتبع طريقة الاستدلال المتدرّجة ، لإقناع قومه ، ببطلان عقيدتهم الوثنية ، فكان يقرّ مبدئيا بالمشهد الكوني الأخّاذ ، ثم ينتقل إلى نفي الألوهية عنه ، لأنه يتصف بالأفول والزوال ، ومحال أن يغيب الخالق عن عباده ولو لحظة ، كما أنه كان يعقّب على إثر كل مشهد كوني معروض ، بالتوجيه الديني السديد حتى توصّل إلى أنّ هذه المشاهد الكونية محدثة ، وأن وراءها محدثا وصانعا صنعها ، ومدبرا دبّر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها « 9 » . يقول الدكتور محمد علي الصابوني في تفسيره لقول إبراهيم
هذا رَبِّي
: « أي على زعمكم ، قاله على سبيل الرد عليهم والتوبيخ لهم ، واستدراجا لهم ، لأجل أن يعرّفهم جهلهم وخطأهم في عبادة غير الله » « 10 » . وتقترن صورة الأرض ، بصورة السماء في وصف الطبيعة في القرآن ، لما بين الصورتين
هامش
( 9 ) الكشاف : 2 / 30 - 31 . ( 10 ) صفوة التفاسير : 1 / 401 .