بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
القصص : 71 - 73 .
وهذه من الصور العنيفة ، التي هي أشبه بالمطارق على حسّ الإنسان المتبلّد ترسم استمرار صورة الليل أبدا ، أو استمرار صورة النهار أبدا ، وتطبع في مخيلة الإنسان إحدى هاتين الصورتين ، وما يصاحبها من إيحاء ولون ، لتخويف الإنسان من حدوث ذلك ، ودفعه إلى التأمل في فضل الله عليه ، ودقة بناء هذا الكون المحكم والمسخّر لهذا الإنسان الجحود ، لذلك عقّب على الصورة التخييلية بالصورة الكونية المحسوسة ، لبيان ما فيها من رحمة الله وفضله على عباده ، ليسكنوا في الليل ، ويعملوا في النهار .
ويلاحظ في تركيب الصورة ، الاعتماد على فعل
أَ رَأَيْتُمْ
لإحياء الصورة في المخيلة ، واستحضارها على الشكل المرسوم ، وتكرار الاستفهام ، الذي له جواب واحد لا غير ، تركه في التعبير ، لأنه واضح مفهوم ، ورد في التعقيب عن طريق الإيحاء به ، دون التصريح ، للتأكيد على إقرار الإنسان بذلك .
كما أن الجملة الشرطية في الصورتين حذف منها جواب الشرط زيادة في التخييل الزمني الممتد . والتشابه في بناء الصورتين من الناحية اللغوية ، والتركيب ، يتناسق مع الصورة الواحدة المرسومة في المخيّلة . فالصورة المتخيّلة واحدة ، وبناؤها التعبيري يكاد يكون واحدا أيضا .
ولكنه يلاحظ أنه عقّب على الضياء بقوله :
أَ فَلا تَسْمَعُونَ
وعلى الليل بقوله :
أَ فَلا تُبْصِرُونَ
لأن السمع - كما يقول الزمخشري - يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافع الضياء ، ووصف فوائده ، أما التعقيب على الليل ب
أَ فَلا تُبْصِرُونَ
فلأن الناس ، يبصرون منافع الظلام في السكون وغيره « 17 » .
وقد اعتمدت الصورة في التعقيب على أسلوب اللف والنشر ، وهو أسلوب بلاغي معروف ،
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
فالليل لتسكنوا فيه ، والنهار لتبتغوا من فضله . . .
ومشهد ( الظل ) مرتبط بحركته ، بحركة الشمس ، وهو مشهد جميل وندي ، ترتاح إليه
هامش
( 17 ) الكشاف : 3 / 189 .