تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
فقد ذهب كثير من العلماء المسلمين في القديم إلى القول بكرويتها كالآلوسي والرازي وأبي السعود . في تفاسيرهم المشهورة ، وأما كونها مسطحة أو ممدودة أو مبسوطة ، فإنما هي بالنسبة لعظمها وسمتها أو بالنسبة للناظرين إليها ، فليس في القرآن الكريم ما يخالف الحقائق العلمية حول صورة الأرض الكروية « 12 » . وصورة الأرض ، كروية ، ومتحركة ، ونحن ثابتون عليها ، تثير الخيال حين يتملّاها ، ويسبح في آفاقها ، وتوقظ الإنسان على حقيقة الألوهية القادرة على كل شيء ، فقد اجتمعت في صورتها الحركة والثبات معا فهي كالناقة الذلول ، يقول الله تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
الملك : 15 . ولفظ
ذَلُولٌ
يوحي بحركتها وثبات الإنسان عليها ، فهذه الأرض « التي نراها ثابتة مستقرة ساكنة هي دابة متحركة بل رامحة ، راكضة ، مهطعة ، وهي في الوقت ذاته ، ذلول ، لا تلقي براكبها عن ظهرها ، ولا تتعثر خطاها ، ولا تخضّه ، وتهزه ، وترهقه ، كالدابة غير الذلول ، ثم هي دابة حلوب ، مثلما هي ذلول » « 13 » . وزيادة في تشخيصها قال :
فَامْشُوا فِي مَناكِبِها
و « المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل ومجاوزته الغاية » « 14 » ، كما يقول الزمخشري . فإذا كان المشي في مرتفعاتها أو أطرافها مذلّلا ، فلا يشعر الإنسان بحركتها ، فالمشي في سهولها من باب أولى . ويضاف إلى صورة الأرض الذلول ، صورة الأم الحنون ، التي تضمّ بنيها ، وتحتضنهم أحياء وأمواتا ، يقول الله تعالى في ذلك :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ، أَحْياءً وَأَمْواتاً ، وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ ، وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
المرسلات : 25 - 28 . والمراد بالكفت هو الجمع والضم ، فهي تجمع البشر على ظهرها أحياء ، وتضمهم في باطنها أمواتا « 15 » . فالصورة التي يرسمها اللفظ الموحي ، لهذه الأعداد الهائلة من البشر ، يتجمعون على
هامش
( 12 ) صفوة التفاسير : 3 / 553 . ( 13 ) في ظلال القرآن : 6 / 3639 . ( 14 ) الكشاف : 4 / 138 . ( 15 ) صفوة التفاسير : 3 / 502 .