تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
من التقابل أو التناظر ، والتواصل أيضا ، فالسماء هي مصدر الحياة على الأرض ، كما أنها مصدر الوحي ، لذلك تصوّر الأرض دائما بحاجة إلى خيرات السماء ، وعطاءاتها المادية والمعنوية . فالله سبحانه ، هيّأ الأرض ، كي تكون صالحة للحياة عليها ، فهي على الرغم من أنها كروية ومتحركة ، فإن الإنسان لا يشعر بحركتها ، ولا يتأثر بشكلها الكروي ، بل إن حركتها وشكلها الكروي ، هما من الأسباب التي جعلتها مهيأة للحياة على ظهرها ، وهذا من دلائل القدرة الإلهية الملحوظة في هذه المشاهد الكونية المحسوسة . يقول الله تعالى :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ
الزمر : 5 ، ويتضافر التعبير مع التصوير في رسم شكل الأرض ، وحركتها ، وطبيعتها ، فلفظ ( يكور ) له دلالته القوية على حقيقة الأرض ، وحركتها ، فهو يثبت كرويتها ويرسم آثار كرويتها في مظاهر كونية أخرى في تعاقب الليل والنهار « فالجزء الذي يواجه الشمس من سطحها المكوّر يغمره الضوء ويكون نهارا ، وكلما تحركت بدأ الليل يغمر السطح الذي عليه النهار ، وهذا السطح المكور ، فالنهار كان عليه مكوّرا ، والليل يتبعه مكوّرا كذلك ، وبعد فترة يبدأ النهار من الناحية الأخرى ، يتكوّر على الليل ، وهكذا في حركة دائبة ، واللفظ يرسم الشكل ، ويحدد الوضع ، ويعين طبيعة الأرض وحركتها ، وكروية الأرض ، ودورانها يفسران هذا التعبير . . . » « 11 » . وقد رسمت للأرض صور عدّة ، ولكنّ هذه الصور جميعا مترابطة ومتعاونة في بيان فضل الله على عباده في أن هيأها لاستقبال الحياة عليها ، من ذلك قول الله تعالى في تصوير الأرض :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً
نوح : 19 ،
وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ
الغاشية : 20 ،
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً
النبأ : 6 ، و
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً
البقرة : 22 ، و
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ
الرعد : 3 ، و
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً
النمل : 61 ، و
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
النازعات : 31 ، و
وَالْأَرْضِ وَما طَحاها
الشمس : 6 ، وغير ذلك . فصورة الأرض ، مفروشة ، ومبسوطة ، وممدودة ، ومهاد ، حتى يقرّ الإنسان عليها ويستقرّ ، ثم صورة دحوها وطحوها ، حتى تكون صالحة للزراعة والحياة ، وهذا لا ينافي بأنها كروية
هامش
( 11 ) في ظلال القرآن : 5 / 3038 .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 212 | عبد السلام احمد الراغب