وإنما هدفها توضيح الصلة بين حركة الأفلاك ، وحركة الإنسان على الأرض ، فهو يهتدي بها في ظلمات البر والبحر ، وكذلك القمر بمراحل نموه ، يرسم صورة زمانية ضرورية لحياة الإنسان ، لتدبير شؤونه الدينية والدنيوية في الحياة . ولكن هذا لا يمنع أن توحي الصورة بالحقائق العلمية من خلال ارتباط الصور بعضها ببعض ، وطريقة التعبير عنها ، كما رأينا في تصوير حركة ظهور النجوم واختفائها بحركة الظباء في كناسها ، فهي تختفي من مكان ، لتظهر في مكان آخر ، وهذه حقيقة علمية توحي بها الصورة بالإضافة إلى ما فيها من جمال ، ودلالة على قدرة الله المبدع .
وكذلك حركة تغيّر القمر المصوّرة في مكان آخر ، يقول الله تعالى :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
يس : 39 .
كذلك في تصوير حركة الشمس والقمر ، متجاورين في السياق ، ومختلفين في التعبير عنهما ، للدلالة على دورهما في تشكيل الصورة الزمانية على الأرض ، من خلال الصورة المكانية لهما ، واختلاف تكوينهما أيضا .
يقول الله تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
يونس : 5 .
فالشمس وصفت بالضياء ، لأنّ نورها يصدر منها وليس من غيرها ، فهي ضياء أو سراج متوهج . أما القمر ، فنوره مكتسب من ضوء الشمس ، لذلك يوصف دائما بالإنارة دون سواها .
يقول الله تعالى :
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً
الفرقان : 61 .
ويكثر في القرآن الكريم عرض صورة الشمس والقمر ، متجاورين في التعبير ، للدلالة على فوائدهما ، وتسخيرهما للإنسان ، وتوضيح الحقائق الدينية من خلالهما يقول تعالى :
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
لقمان : 29 ، فحركتهما المرئية ، مستمرة إلى أجل محدد ، ثم تتوقف عندما يأذن الله ، فحركة الشمس والقمر في السماء ، كحركة الإنسان على الأرض ، مرسومة ومحددة إلى أجل معلوم . وبذلك يتم الربط بين تصوير الطبيعة في القرآن ، وحركة الإنسان على الأرض ، لتحقيق الوظيفة الدينية من خلال هذا