تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
عظيم ، وذي قيمة ، لذلك عقّب على القسم بالاستفهام الموحي بالتفخيم والتعظيم ، ثم صرّح بالمقصود بالطارق ، وهو النجم الثاقب ، والمراد به جنس النجم وليس نجما بعينه ، كما يوحي السياق بذلك ثم جاء بالمقسم به
إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ
للدلالة على أن كل نفس عليها حافظ رقيب على أعمالها وخواطرها ، يملك قدرة النفاذ إلى أعماقها المستورة ، ومناطقها المظلمة ، فيشق حجابها السميك الخارجي بقوة نفاذه كما يطرق هذا النجم الثاقب ظلام الليل ، فيزيل ظلامه ، وينفذ من خلاله . وتتجلى قدرة الله سبحانه في الصورة الكونية والصورة النفسية معا ، وتتلاحم الصورة في إطارها مع مضمونها كما يتّحد الغرض الفني بالغرض الديني من خلال هذا التصوير المعجز . ويمتد تصوير حركة الكواكب في السماء ، فترسم الصورة حركتها في ظهورها واختفائها ، بمشهد حي شاخص ، فيه الحركة الرشيقة ، والإيحاء العميق ، فهي في حركتها طالعة وغائبة ، تشبه حركة الظباء الجارية على الأرض ، التي تختبئ في كناسها ، لتظهر من ناحية أخرى . يقول تعالى في وصفها :
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ . . .
التكوير : 15 - 16 . ثم إن هذه النجوم ، مرتبطة بحياة الإنسان على الأرض ، فهي هادية له في ظلمات البر والبحر ، وكأنها قناديل للإضاءة فضلا من الله ونعمة على هذا الإنسان ، يقول تعالى :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
الأنعام : 97 . وصورة القمر أكثر إثارة وجاذبية للإنسان منذ القديم ، وقد أثار بحركته المتغيّرة ، خيال الإنسان ، وراح يسأل عن سرّ هذا التغيير في شكله ، فيبدو هلالا ، فبدرا ، ثم يعود متدرّجا كما بدأ في صورته وهيئته ، يقول تعالى :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
البقرة : 189 فعيون الصحابة رضوان الله عليهم ، كانت تتابع مراحل نمو الهلال ، وقد أدهشتهم هذه الصورة المتغيرة ، وأثارت خيالهم ، فراحوا يسألون عن ماهية الصورة المتغيرة ولكن الجواب لم يأت جوابا على الماهيّة ، وإنما جاء موضحا وظيفة هذه الصورة المتغيرة ، وأثرها في حياتهم ، وهذا يسمى في البلاغة العربية القديمة بأسلوب الحكيم . لأنه ليس من وظيفة الصورة ، تقديم معلومات علمية عن حركة الأفلاك في السماء ،