تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
الملك : 5 ، فعنصر الجمال مقصود في التصوير أيضا ، وقد دلّ عليه دخول المؤكّدات المتنوعة في بناء الصورة مثل اللام وقد ، ونسبة الفعل إلى الله « زيّنّا » . وهو جمال محفوظ محروس أيضا ويلحّ القرآن الكريم على صورة السماء المزينة بالنجوم في كثير من الآيات ، كي تستمتع العين برؤيتها ، وتشبع حاسة الجمال الفطرية في الإنسان ، بالإضافة إلى دلالتها على القدرة الإلهية . من ذلك قوله تعالى :
أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ
ق : 6 . وقوله أيضا :
وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ ، وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ، إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ
الحجر : 16 - 17 . فصورتها المعروضة ، تجمع الضخامة والدقة والسعة ، والزينة ، كما تضيف صفة جديدة وهي الحفظ والحراسة من كل شيطان رجيم . فجمالها محروس من قبل الله عز وجل ، وأخبارها الغيبية محفوظة ، ولا سبيل إلى معرفتها ، وصور الشهب الساقطة في الليل ، صورة واقعية مألوفة لدى الناس ، ولكنّ التصوير هنا يحمّلها معاني الحفظ والحراسة لعالم الغيب ، حتى يقطع أساليب الخرافة والشعوذة في تصورات الناس الشائعة ، وبذلك يتحرر العقل البشري من الأوهام والأساطير التي كانت شائعة قبل الإسلام ، فالسماء محروسة حراسة شديدة ، لحجب أسرار الغيب عن المخلوقات ، فهناك الشهب الراجمة للشياطين ، وما يقوله الكهان خرافة وباطل بعد هذه الشهب الحارقة . وهذه المعاني نراها مصوّرة في قوله تعالى أيضا بشكل مفصّل على لسان الجن لتكون أكثر إيحاء وتأثيرا :
وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً
الجن : 8 . وتركّز الصورة على رسم مشهد النجوم ، وهي سارية متحركة ، زيادة في توضيح جمالها وإيحائها ، فهذا النجم الساري في السماء ، يثقب الظلام بضيائه ، ويترك للعين أن تستمتع بهذه اللوحة الفنية المتناسقة والجذابة ، فيها الحركة ، وامتداد المساحة ، واللون المؤثر يقول تعالى :
وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ، وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ ، إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ
الطارق : 1 - 4 . فالصورة هنا بعناصرها السماء ، والنجوم ، والضياء ، والظلام ، وما فيها من حركة وحياة ، لها قيمتها وأهميتها ، فالله يقسم بهذه الصورة الكونية ، والله سبحانه لا يقسم إلا بشيء
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 208 | عبد السلام احمد الراغب