تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
المتجاوزة في التعبير لصورة الإنسان ، لتحقيق هذا الغرض من التصوير . ويكون جواب الاستفهام معروفا بدون جدال ، فهذه السماء أقوى في بنائها وضخامتها من خلق الإنسان ، كما أن تصوير السماء بالبناء ، يوحي بتماسكها وقوتها ، وتناسقها ، وهي دليل على قدرة الله ، المتجلّية في الكتل الضخمة ، كما هي في الكتل الصغيرة ، فالإعجاز الإلهي واحد في الاثنين . ويلحّ القرآن الكريم على تصويرها فوق الرؤوس ، تمسك بها يد القدرة الإلهية ، لإثارة مخيّلة الإنسان ، وتحريك نفسه ، لكي يستجيب لنداء الإيمان يقول تعالى :
وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
الحج : 65 . وفي موضع آخر يصوّر إمساكه السماوات والأرض من أن تزولا
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا ، وَلَئِنْ زالَتا ، إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ، إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
فاطر : 41 . وهي صورة ضخمة موحية ، حين نتصوّر هذه الكتل العظيمة ، تسبح في الفضاء بلا عمد ، ولا أمراس تشدّها ، ولكن الله وحده هو الذي يمسك بها جميعا ، وهي تدور في مداراتها المرسومة لها إلى أجل معلوم . ويأتي التعقيب متناسقا مع جوّ التصوير
إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
فهو يملك هذه القوة والقدرة ولكنه حليم ، لا يسمح أن تطبق السماوات فوق الرؤوس ، ويمهل الناس ليوم الحساب ، وهو غفور مع كل هذه العظمة والقدرة . وترتبط صورة السماء ، بصورة الحياة على الأرض ، فالسماء هي التي تمد الأرض بالماء والحرارة والضوء والرزق وغير ذلك . يقول الله تعالى :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ
البقرة : 22 . فالتقابل في الصورة بين السماء والأرض ، يظهر الصلة الوثيقة بينهما ، وهي صلة تواصل وتكامل ، حتى يحس الإنسان بقدرة الله عليه ، في الأرض التي يقف عليها ، والسماء المحيطة به وبالأرض جميعا . وهنا نلاحظ صورة أخرى مقترنة بصورة بناء السماء وهي صورة الماء النازل منها ، والذي يعتبر مصدر الحياة . وبذلك تتوقف الحياة على الأرض على خيرات السماء ، والرزق النازل منها ، وهذا فيه تذكير للناس بأنّ حياتهم مرتبطة بجود السماء ، وهي بين يديه سبحانه ، وتذكير أيضا بفضله عليهم ، ورزقه لهم ، فرزق السماء مما لا يمكن للبشر أن يتحكموا فيه ، فهم خاضعون ، مستسلمون ، لمشيئة الله وقوانينه ، التي تسمح بهذا الجود