ثم تتواصل صور السماء مبنية بناء محكما ، ومحبوكة حبكا دقيقا . على شكل طبقات بعضها فوق بعض ، دون أن تعتمد في رفعها على عمد ، كما اعتاد الإنسان أن يقوم البناء ، كما أنها ضخمة واسعة .
يقول الله تعالى :
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ
الذاريات : 47 .
ثم أنها مرفوعة بغير عمد
خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها
لقمان : 10 .
كما أنها سبع سماوات شداد ، وليست سماء واحدة
وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً
النبأ : 12 .
وهنّ على شكل طبقات بعضها فوق بعضها
وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ
المؤمنون : 17 .
وهي محبوكة ، ومحكمة ومتناسقة التركيب ، كتنسيق الزرد المحبوك المتداخل الحلقات ، دون خلل أو عيب فيها :
وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ
الذاريات : 7 .
وهكذا تتواصل صور السماء في السياق ، مترابطة ، متعاونة على رسم صورة لها متكاملة على شكل بناء ضخم متقن الصنع ، جميل متناسق ، وهو بناء لا يخضع لقوانين البناء المعروفة لدى الإنسان ، وإنما هو يخضع لقوانين أخرى وضعها الله سبحانه لها . وقد جعلها الله فوق رؤوس البشر سقفا مرفوعا ومحفوظا من السقوط يقول الله تعالى :
وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً ، وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ
الأنبياء : 32 .
وصورتها وهي كالسقف المرفوع ، لها دلالتها القوية ، على قدرة الله سبحانه ، ولكنّ البشر على الرغم من هذه الصورة الكونية المحسوسة فوق رؤوسهم ، لا يفكرون في أبعاد هذه الصورة ، ولا يدركون ما وراءها من إله قادر على كل شيء .
فالصور الكونية تتضافر فيما بينها ، وتتفاعل في السياق الواردة فيه ، كي تحقق وظيفتها الدينية ويكفي أن يتصور الإنسان هذه الكتل الضخمة فوق رأسه ، ليدرك قدرة الله عليه ، ويرتعد خوفا من مخالفته ، والابتعاد عن دينه .
وقد ألحّ القرآن الكريم على تصوير هذه المشاهد الكونية الضخمة ، ليقارن الإنسان بين خلقه ، وبينها ليشعر أن خلقه أهون ، وأصغر ، من هذه المشاهد التي يراها فوقه . يقول الله تعالى :
أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ، رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها
النازعات : 27 - 28 .
فالصورة هذه توحي بضآلة خلق الإنسان إلى جانب هذه الصورة الكونية الضخمة ،