تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
وقد أجهدنا أنفسنا لدحض هذه الشبهة أيما إجهاد ، وسافرنا إلى بلدان عديدة للاطلاع على مصادر لم تكن بحوزتنا تساعدنا على الاطلاع على هذه الشبهة من أساسها ، ثم بعد اطلاعنا عليها وفهمنا لها قمنا بتدبيج ردودنا عليها ، وقد كان التوفيق رائدنا . وهكذا أعطينا للموضوع ما يستحقه من درس وتحليل ، فقد تعرضنا إلى آراء المستشرقين كافة حول أصالة الفقه الإسلامي ، ولم نترك رأيا تناول هذا الموضوع إلّا وعرضناه كما عرضه قائلوه ثم دبجنا ردودنا عليها طبقا للمصادر والمراجع المتوفرة لدينا . كانت نتيجة بحثنا تتلخّص في انقسام المستشرقين حول هذا الموضوع إلى فريقين ، أحدهما : يقرّ بأصالة الفقه الإسلامي وينكر تأثره بأي قانون أجنبي مهما كان نوعه . وثانيهما : أن الفقه الإسلامي عبارة عن نقول إما من الشريعة الموسوية وإما من القانون الروماني . بل وذهب بعضهم إلى القول بتأثره بالقوانين الساسانية ولكن دون دليل قدموه في هذا الخصوص . وقد استند القائلون بتأثر الفقه الإسلامي بالشريعة الموسوية والقانون الروماني إلى عدة مطابقات شكلية وموضوعية بينهما حكموا من خلالها على استمداد أحكامه منهما . كان دورنا في هذا الصدد عرض هذه المتشابهات والمقابلة بينها وبين ما ورد في الفقه الإسلامي ، ثم اجتهادنا في التدليل على أن هذه المتشابهات الظاهرة لا تدل من الناحية العلمية على استمداد الفقه الإسلامي من المصادر القانونية اليهودية والرومانية على حد سواء . ووصلنا إلى نتيجة علمية مفادها أن هذه التطبيقات ما هي في حقيقة أمرها إلّا مما يتشابه فيه الفكر الإنساني بصورة عامة ، لأن الفكر الإنساني يتشابه في كثير من ألوان التفكير دونما حاجة إلى تفسير هذا التشابه بالتقليد والتأثير . ثم درسنا أوجه الاتفاق والاختلاف بين الفقه الإسلامي والقانون الروماني في كثير من فروع القانون المختلفة . وقد أبانت لنا دراستنا هذه أن المماثلات بين أحكام معينة في القانون الروماني وبين تلك الأحكام المقررة في الفقه الإسلامي مما يتشابه فيه الفكر الإنساني . ولكن لإبراز الصلة بين النظامين القانونيين فإن الأمر يوجب التركيز على الاختلافات التي توجد بينهما .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 577 | ساسي سالم الحاج