تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
بالموضوعية ، والبعد عن الألفاظ والشكليات ، وعدم تفصيل مذهب فقهي على آخر ، والتركيز على الفقه المقارن بين المدارس الفقهية أو بينها وبين القوانين الوضعية . واتسمت هذه الدراسة أيضا باستخلاص النظريات الفقهية العامة حالة كون الأحكام التي استنبطها الفقهاء كانت وليدة المسائل والوقائع الفردية دونما استخلاص للوقائع العامة . وقد اتسمت دراسات المستشرقين لهذه المرحلة من مراحل تطور الفقه الإسلامي بالعرض التاريخي خاصة الإشارة إلى ذلك الصراع الناشب بين الشريعة الإسلامية والقوانين الأوروبية في الهند وشرق وغرب وشمال إفريقيا ، والشرق الأوسط ، وأهمية عمل المحاكم البريطانية في الهند على تطبيق الشريعة الإسلامية في تلك الأصقاع . ومخالفة تلك الأحكام لمبادئ الشريعة ، وكيفية اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للمواءمة بينها . وهكذا نلمس أن دراسات المستشرقين حول تطور الفقه في هذا العصر لم تكن سوى سرد تاريخي ، خال من التحليلات العلمية الدقيقة ، ناء عن بيان العلل والأسباب التي أدّت بالفقه إلى الجمود والسكون ثم التحرك والانطلاق من جديد بعد تأثره بالتشريعات الغربية . ولكن هذا الحكم الذي أصدرناه عن هذه الدراسات لا ينطبق على ما قام به « كلسون » من تحليل لهذه العلل والأسباب طبقا لما أثبتناه في ثنايا الكتاب . هكذا وصلنا في خاتمة تطور الفقه الإسلامي عبر العصور إلى نتيجة مفادها أن الفقه الإسلامي خضع لقوانين التطور والنمو شأنه في ذلك شأن سائر الكائنات الحية باعتباره مرآة عاكسة لتطور المجتمع الإسلامي وبيان ظروفه ، ومقدار تطوره ونموه ، وبيان طريقة تفكيره . فقد بدأ الفقه صبيّا يافعا ، ثم أصبح شابّا ، ثم صار كهلا ، ثم اعتورته عوامل الكبر والشيخوخة ، ولكنه لم ينته إلى الموت لأنه غير قابل للموت والفناء فقيّض اللّه له من أبنائه من عملوا على تجديده وتطويره حتى أخرجوه من جموده ، وحركوه من سكونه ، فاسترد عافيته وأصبح يأخذ مكانه الطبيعي في تنظيم المجتمعات الإسلامية . وما هذه القوانين العديدة المستمدة من الشريعة الإسلامية والتي تحل شيئا فشيئا محلّ القوانين الغربية إلّا دليل على ما نقول . سابعا : كان من ضمن الشبهات التي ركز عليها المستشرقون - والتي كانت سببا رئيسا في تدبيج كتابنا - تلك الشبهة القائلة : إن الفقه الإسلامي مستمد من القوانين والشرائع الأجنبية خاصة الشريعة الموسوية والقانون الروماني .