تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 574

مساهمون:

ص٥٧٤
أن المصادر الفقهية الأصلية خاصة الإجماع والقياس قد تبلورت في هذه المرحلة وكانت ذات منشأ عربي إسلامي خالص لا علاقة لها بالمؤثرات الخارجية ، وركزنا بصفة رئيسة على دور « الشافعي » في تطوير الفقه باعتباره المؤسس الفعلي لعلم أصول الفقه الذي ساهم في تطوير الفقه وتجدده وجعله قابلا للتطبيق في كل زمان ومكان . وكان تركيزنا على دور « الشافعي » مبعثه إعجاب المستشرقين به واعتباره أعظم شخصية إسلامية ظهرت على مر العصور ، ومقابلته بعباقرة العالم الآخرين . وقد تناولنا معظم آرائه المبثوثة في رسالته حول مصادر الفقه الإسلامي حتى ننوه بعظمته من جهة وحتى ندحض بعض آراء المستشرقين التي جحدت عليه بعض فضله في هذا الميدان من جهة أخرى . خامسا : تعرضنا للأسباب التي أدت إلى وقف الفقه الإسلامي عن النمو خاصة بعد الإفتاء بقفل باب الاجتهاد . فذهب روح الاجتهاد والتجديد ، وأصبح من سمات هذا العهد التقليد الأعمى للفقهاء السابقين ، فانغلقت دائرة التفكير في إطار مؤلّفات الفقهاء السابقين ، وأصبح الفقهاء بقوة الأشياء تابعين ومقلّدين للسابقين بحيث لم تتعد مجهودات من لحقهم بالاجتهاد داخل المذاهب ذاتها التي ارتضاها كل واحد منهم لنفسه . ونتج عن ذلك التعصب للمذاهب والاقتصار على ما اختاره الفقيه أو العالم دون سواه بل وتعدى التعصب إلى العامة فكثر التشنيع على المذاهب المخالفة . ولكن هذا العهد لم يكن جمودا كله وانحطاطا كله ، بل برز فيه فقهاء كبار ساهموا في إثراء الفقه الإسلامي وازدهاره بما قاموا به من التعليق على الأحكام واستخلاص القواعد الفقهية للعديد من المسائل التي تركها الفقهاء الكبار دون تعليل . كما أن فقهاء هذا العصر قاموا بالترجيح بين الآراء المختلفة في المذاهب سواء أكان الترجيح من حيث الرواية أم من حيث الدراية . وقد حاول المستشرقون البرهنة على أن ظهور الأحاديث قد تم في هذه المرحلة من تطور الفقه الإسلامي . وأنكروا للسنة كل حجية في استنباط الأحكام الشرعية قبل هذا التاريخ ، وهي شبهة طالما دحضناها بالدليل والبرهان العلميين . وأبان المستشرقون عن كيفية تحول نظام الاجتهاد إلى نظام التقليد وكانت تحليلاتهم صائبة في هذا الخصوص . كما أشاروا إلى قيام العديد من الفقهاء المجددين الذين رفضوا الفتوى القائلة بقفل باب الاجتهاد ، بل إن بعضا منهم رفض مبدأ التقليد أصلا كداود بن خلف الظاهري ، وابن تومرت ، وابن تيمية ، وابن قيم الجوزية . وقد حكم المستشرقون على
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 574 | ساسي سالم الحاج