الفقه الإسلامي في هذه المرحلة بالثبات والجمود بعد أن كان قد امتاز في العصور السابقة بالمرونة والتطور والتجديد . وهو حكم صائب كما ترى لا نستطيع إنكاره أو التقليل من شأنه . ولكن هذا الجمود الذي وصف به الفقه الإسلامي في هذه المرحلة وبعدها من المراحل التي تلته كان سببا في استقراره عبر العصور التي شهدت انحطاط الأنظمة السياسية الإسلامية .
كما تطرق المستشرقون إلى ظهور الحيل ، وفصلوا القول فيها تفصيلا ، وقرنوا ظهورها بعصر التقليد ، وإن كان ظهور الحيل أسبق من ذلك العصر ، ومع ذلك فلم يتركها العلماء المسلمون على علاتها ، ولم يدخروا وسعا في مناهضتها وبيان مخالفتها لأحكام الشريعة ، مع أنهم لم يحرّموها على إطلاقها فأباحوا قسما منها . ولعل في إبراز المستشرقين لخصائص الفقه الإسلامي في هذه المرحلة بما احتواه من « شروط ووثائق » قد برهنوا على عظمته بحيث قد وفق عن جدارة بين الأحكام النظرية والتطبيقات العملية بفضل العلماء الذين حاولوا المواءمة بينهما . وقد أدّى هذا التوفيق حتى في عصر الانحطاط إلى خلق قواعد قانونية جديدة كانت لها مكانتها وأهميتها في تطوير الفقه الإسلامي وتنميته وصيرورته صالحا للتطبيق في كل زمان ومكان .
سادسا : كان لتطور الفقه الإسلامي في العصر الحاضر أثره في تجديد حيويته ، وأصالته وصلاحيته للتطبيق في كل الأزمنة والأمكنة . فبالرغم من سيادة التقليد أحقابا طويلة ، وتخلّف الفقه عن مسايرة ما يجد للأمة من حوادث ومعاملات ، إضافة إلى إصابة الأمة الإسلامية بكارثة الاستعمار الغربي الذي هيمن مباشرة على جميع مقدراتها خاصة القانونية منها . فإن الفقه خرج من جموده ، وتحرك من سكونه بما قيّض له اللّه من رجال نفضوا عنه الغبار ، وأزالوا عنه الصدأ العالق به ، فطوروا في أحكامه ، واجتهدوا داخل نطاق النص وخارجه لمواجهة الحوادث والنوازل التي واجهتهم وهي كثيرة التعدد والتنوع حتى يصعب على المرء حصرها . وكان أول مظهر للاعتناء بالفقه تقنينه وذلك بعد ظهور مجلة الأحكام العدلية ، ثم تلتها محاولات أخرى كان لها أثرها في تطوره والدفع به إلى الأمام لمواجهة الوقائع والحوادث المستجدّة حتى يمكن الاستغناء بموجبه عن القوانين الغربية التي أصبحت مطبقة في العالم الإسلامي بأسره تأثرا بالاستعمار الذي أناخ عليه بكلكله .
من مميزات هذا العصر بالنسبة إلى تطور الفقه دراسته والتأليف فيه بمنهجية جديدة تختلف عما كان معمولا به في عصر التقليد . كما اتسمت هذه الدراسة
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 575
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٥٧٥