وقد أثبتت لنا دراستنا المقابلة بينهما فيما يتعلق بقواعد الإثبات ، وقواعد البيع والمقايضة ونظام الوقف والشفعة ، وقوانين الأحوال الشخصية ، من زواج وطلاق وتبنّ وإرث وغيرها ، وقوانين نقل الملكية ، وحقوق الارتفاق ، والالتزامات ومصادر كل منهما خاصة الإجماع ، بأن الفقه الإسلامي مستقل استقلالا كاملا عن القانون الروماني ، وأنه لم يتأثر به لا من خلال النظام القضائي الروماني الذي وجده المسلمون مطبقا في الشام إبّان فتحهم لها ، ولا من خلال الشريعة اليهودية التي قيل إنه قد تسرب إليه من خلالها ، ولا من خلال المدارس القانونية الرومانية المبثوثة في بيروت والإسكندرية . ولكنه نظام عربي إسلامي وليد العبقرية العربية ذاتها دون سواها .
ثامنا : من أهم الشبهات التي أثارها المستشرقون حول الفقه الإسلامي تلك القائلة : إن الشريعة الإسلامية ليست صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان ، وإن أحكامها لا تتناسب ومستجدات العصر الحديث الملئ بالعلوم والمخترعات وغزو الفضاء ، وإن أحكامها الجنائية القاسية لا تناسب التوجهات الإنسانية الحديثة التي تحرم العبث بجسم الإنسان ، وإن أحكامها المنظمة للأحوال الشخصية لا تساير النظرة الحديثة للمرأة التي هي عبارة عن متاع بالنسبة إليها .
ركزنا في دراستنا على هذه الشبهة ، وعرضناها من جميع أوجهها ، وقدمنا أدوات ثلاثا زعمنا أنه بموجبها نستطيع البرهنة على أن الفقه الإسلامي صالح للتطور في كل زمان ومكان ، وصالح للتطبيق وإيجاد الحلول لسائر مستجدات العصر مهما اختلفت وتنوعت ، وأنه قادر على مسايرة جميع الأوضاع المستجدة مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة والبيئات .
فقد رأينا أن علم أصول الفقه باعتباره المنهج العلمي الذي يطبقه الباحث المسلم لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، من أهم الأدوات التي تساعد الفقه على التطور والتجديد ومسايرة مستجدات الحياة مهما تطورت وتعقدت . فهو العلم الذي يرسي أصول المنهج المنطقي للاجتهاد التشريعي ، وهو الأداة التي يمكننا عن طريقها استنباط الأحكام الشرعية لسائر القضايا والنوازل التي تواجهنا ، ونستطيع عن طريقها البحث فيما تقتضيه مصالح الأمة ، ومرافق الدولة ، على مر العصور واختلاف ظروفها وبيئاتها . وهذا العلم يساعدنا أيضا على وضع نظريات أصولية عامة تضبط أعمال المكلّفين والمجتهدين ، على نحو يضمن المطابقة بينها وبين أحكام الشريعة حفاظا على غايات التشريع ومقاصده الأساسية .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 578
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٥٧٨