تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
التي تلمّ بنا . ومن خلالها يتمكن الفقه من مسايرة التطور الحضاري للبشرية التي تسعى دوما إلى الأفضل والأحسن . ومن خلالها نبرهن على أن هذا الفقه ليس بذلك الجمود الذي يصفه به المستشرقون وأضرابهم من الشرقيين السائرين في ركابهم . ومن خلالها نتمكن من طرح تلك الثقافات والقواعد الغربية المستوردة التي لا تلائم معتقداتنا وظروفنا وأحوالنا ومجتمعاتنا . ومن خلالها نحكم على الفقه بالصلاحية والاستمرارية والتطور لمجابهة كلّ المشاكل والقضايا مهما كان نوعها وفي أي زمان يتمّ حصولها وفي أي بيئة تقع . ولا يتم ذلك إلّا بفهم مقاصد الشريعة وأحكامها ومراميها وأدواتها كعلم أصول الفقه والقواعد الفقهية والاجتهاد بالرأي سواء أكان فرديا أم جماعيا . إن الدراسة التي قمنا بها في هذا المجال كانت عسيرة ، طويلة مضنية . استغرقت منا سنين طوالا ، وحمّلتنا نفقات باهظة ، وأخذت من وقتنا وصحتنا الكثير . فقد تجشمنا الصعاب للحصول على المصادر النادرة حولها ، ثم كابدنا المشاق لتدبيجها وترجمتها وتحليلها ومقابلتها واستخراج الصحيح من الفاسد منها . وهكذا ترى أيها القارئ العزيز ثمرة هذا المجهود الذي لا ينكر أمامك . وستلاحظ حتما اختلاف الأسلوب في مواطن عدة ، فمرة تجده سهلا ، سلسا ، متناسقا ، منسجما ، لينا ، ومرة تجده ركيكا ، معقدا ، صعبا ، وهذا راجع إلى ظروفنا وأحوالنا وما ينتابنا في حياتنا اليومية من صعاب مهنية ومعيشية لا حصر لها . وهكذا نصل بعد خمس سنوات طوال من البحث وبعد تدريس لمادة « الاستشراق » مدة ثلاث سنوات في الجامعة إلى هذه النتيجة التي نضعها بين يديك . وقد حاولنا من خلالها بسط ما قاله المستشرقون حول ديننا ، وتراثنا وثقافتنا ، ثم بذلنا جهدنا للرد على معظم الهنات والشبهات التي ألصقوها بها . ونرجو أن يكون هذا العمل مؤديا للغرض الذي دبج من أجله وهو المنافحة عن الإسلام والذّبّ عن حياضه ، والوقوف في وجه خصومه بعد التعرف إلى أفكارهم . وهو عمل - كما ترى - بعيد عن الكمال والدقة ويحتاج إلى سبر أغوار مصادر ومظان ليست في نطاق قدرتنا . ومع ذلك فقد حاولنا أن نقدم شيئا لأمتنا بعد أن تكلم المستشرقون قرونا عنّا . وقد آن لنا أن نتكلم الآن بدورنا . فإذا كان التوفيق حليفنا فشكرا للّه . وإذا كانت الأخرى فهذا هو غاية مجهودنا ومقدار طاقتنا ، وندعو الآخرين إلى استكمال النقص الذي قد يكون اعترانا ، وسدّ المكان الذي قد تركناه شاغرا أمامنا ، وما توفيقنا إلّا باللّه فهو نعم المولى ونعم النصير . انتهى الكتاب في 22 / 1 / 1990 م
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 580 | ساسي سالم الحاج