وأحكام القرآن مختلطة بالتطبيقات الإدارية الأموية وممتزجة ببعض عناصر النظم القانونية الأجنبية .
وسيرى القارئ ردودنا المفصلة على آراء المستشرقين عندما تتبعنا شبهاتهم تتبعا دقيقا ، وحاولنا دحضها جملة وتفصيلا ، وأثبتنا أن مصادر التشريع في هذا العهد لا تخرج عن القرآن ، والسنة ، والإجماع ، والقياس ، واجتهادات العلماء والقضاة . كما تعرضنا بالتفصيل إلى تطور الفقه لدى الفرق الإسلامية المختلفة وبيان الخصائص القانونية لكل فرقة والمصادر الفقهية التي تستند إليها وتعمل بها وهو بحث جدير بالتنويه لأنه ساعد الفقه الإسلامي على التطور والنمو .
رابعا : كانت دراستنا لآراء المستشرقين حول تطور الفقه الإسلامي في عهد الأئمة المجتهدين طويلة ، وحافلة بالمعلومات والمعارف الغزيرة ، فقد عرضنا آراء المستشرقين حول هذه المرحلة بإسهاب شديد ، وتتعبنا كل ما ذكروه حول هذه الفترة الخطيرة بالنسبة إلى تطور الفقه الإسلامي خاصة أنها المرحلة التي بلغت فيها الحضارة العربية الإسلامية أوجها ، فقد عني في هذه المرحلة بتفسير القرآن الكريم الذي ساعد على استنباط الأحكام العملية من آياته . ودوّنت السنة بعد أن كانت متفرقة محمولة في صدور الرواة والعلماء ، وكان لها أثرها في تطوير الفقه الإسلامي وزيادة ثروته لركون الفقهاء إليها واستخدام الأحاديث الصحيحة منها لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية . وقد ظهر علم الأصول في هذه المرحلة والذي كان أكبر عون على تطور الفقه الإسلامي وتقدمه ، كما ظهرت علوم أخرى كان لها أكبر الأثر في تنمية الفقه الإسلامي كعلم اللغة والنحو والبلاغة والأدب وعلم الكلام وغيرها . وفي هذه المرحلة نضج الفقه وأصبح علما قائما بذاته بعد أن تعينت حدوده ، وبانت معالمه ، وتبلورت مسائله ، وأصبح علما مستقلّا لوحده ، له علماؤه ، ومتخصصوه ، والقائمون بشأنه ، فلمّوا شتاته ، وقعّدوا قواعده ، وجذّروا أصوله ، وفرّعوا قضاياه ومسائله . وفي هذا العصر ظهرت المدارس الفقهية الكبرى التي تميزت في مناهجها بالأخذ بمصادر الفقه المختلفة طبقا لاجتهادات علمائها .
كانت دراستنا لتطور الفقه في هذا العهد عميقة وغزيرة لأنها أهم مرحلة مرّ بها الفقه الإسلامي ووصل إبّانها إلى حد الكمال . وكانت آراء المستشرقين حول هذا العهد عميقة هي الأخرى وطويلة وغنية بالتحاليل والاستنتاجات الصحيحة منها والخاطئة .
وقد أجهدنا أنفسنا في تتبع هذه الآراء ودحضها قدر استطاعتنا ، واستطعنا البرهنة على
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 573
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٥٧٣