تولينا الرد عليها وحاولنا دحضها جملة وتفصيلا ، وقدمنا كلّ المعلومات الفقهية والتاريخية التي تساند وجهة نظرنا . وأشرنا إلى خصائص الفقه في هذه المرحلة وكيفيّة نموه وتطوره . وبرهنا على أن السنة قد لعبت دورا بارزا في هذا العصر بالرغم من عدم شيوع رواية الحديث في هذه المرحلة لتشدد الخلفاء في قبول الأحاديث التي تروى لهم . وأشرنا إلى المصدر التشريعي الثالث في هذا العصر - والذي غفل عنه المستشرقون إلّا لماما - وهو اجتهاد الخلفاء الراشدين والصحابة الفردي الذي يكون في الحوادث الجزئية التي يتيسر فيها الوصول إلى الحكم الشرعي عن هذا الطريق .
ونوهنا كذلك بالاجتهاد الجماعي الذي بدأ يتبلور في هذا العصر حتى انقلب إلى « الإجماع » الذي لعب دورا رئيسا في تطوير الفقه الإسلامي ولا يزال يلعب هذا الدور في كل العصور إن أحسن استخدامه . وأسهبنا في بيان أسباب الاختلاف في الاجتهاد بين الصحابة حتى ندحض بها حجج المستشرقين الذين يصفون الفقه الإسلامي بالتناقض . واستطعنا البرهنة من خلال إيرادنا لتلك الأسباب على كيفية تطور الفقه من خلال هذا الاجتهاد الفردي أو الجماعي حتى أصبح غنيّا ملبيا لحاجات المجتمع الإسلامي المتطورة مهما تغيرت الأزمنة والأمكنة ، وبعرضنا لخصائص الفقه الإسلامي برهنا من خلالها على سموّه ورفعته وصلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان . كما أسهبنا القول في بسط آراء المستشرقين حول الكثير من الجزئيات التي تعرضوا لها ، وكانت ردودنا عليها مستفيضة مقنعة بقدر الإمكان ، مستندة إلى الأدلة العلمية والتاريخية الثابتة كبيان نظام القضاء في الإسلام ، وكيفية تطوره ، وتنظيم مؤسساته ، وتحليل رسائل عمر القضائية لقضاته وولاته ، وغيرها من المعلومات التي استطردنا فيها ، وذهبنا فيها كل مذهب بعد أن تتبعنا كلّ الجزئيات التي أوردها المستشرقون حول تطور الفقه في هذه المرحلة .
ثالثا : عرضنا آراء المستشرقين حول تطور الفقه في عصر الدولة الأموية ، والتي تتلخص في بلورة نظام القضاء الإسلامي وتنظيمه ، وفي قيام الدولة الأموية بتنظيم الكثير من المسائل ذات العلاقة بالشؤون الإدارية والمالية والحربية عن طريق الأحكام والقرارات القضائية والإدارية . وكيف أن التطبيقات الإدارية الشعبية لعبت دورها في تطوير الفقه الإسلامي بالإضافة إلى الأحكام القضائية الناجمة عن اجتهادات القضاة وآرائهم الشخصية المستندة إلى القواعد العرفية المطبقة والتعاليم القرآنية والمصادر الدينية الأخرى المسموح بها . وكيف تطورت القوانين العرفية أخيرا وطوّعت لتتناسب
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 572
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٥٧٢