علم به . ولكن هذا الإغلاق آن له أن ينتهي ، فهذه الشروط يصعب تحققها في العصر الحاضر في مجتهد معين غير أن بالإمكان تحقق بعض منه في بعض المجتهدين وبعضها الآخر في مجتهدين آخرين . فنتمكّن من جمع هؤلاء المجتهدين الذين تتوافر في جملتهم شروط الاجتهاد ، ونؤلّف منهم « لجنة الاجتهاد » تتدارس القضايا الجديدة المطروحة أمامها وتبحث عن الحلول الناجعة لها ومن هنا يؤدي الاجتهاد إلى صلاحية الفقه الإسلامي للتطبيق واستمراريته في كل زمان ومكان .
إن الاجتهاد الجماعي الذي أشار إليه واقترحه بعض علماء المسلمين المعاصرين والذي يمكن بلورته في إقامة المجامع الفقهية والعلمية والمتخصصة يؤدي بلا شك إلى تطوير الفقه الإسلامي وتنميته ، كما يؤدي بالتالي إلى إيجاد الحلول للعديد من المشاكل العصرية العويصة التي تواجهنا والتي نقف مبهوتين أمامها لا حيلة لنا فيها اللهم إلّا تأكيد تلك المقولات الاستشراقية التي تصف الفقه الإسلامي بالجمود والتخلف .
إن الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه أمام من يملك أدواته وتتوافر فيه شروط ضرورة حتمية لا مناص لنا منها إذا ابتغينا تجديد أصالتنا الإسلامية والتزود من منابع تراثنا الزاخرة الفياضة ، والعدول عن الثقافات والقوانين الغربية التي لا تلائم طباعنا وأخلاقنا وعادتنا .
إن الاجتهاد بالرأي بمقدار ما هو ضرورة حتمية لتطوير أوضاعنا المتردية هو دعوة إسلامية مفروضة علينا لا بدليل لنا من الاستجابة لها إذا كنا جادين في تكوين شخصيتنا العربية الإسلامية المستقلة ، وبناء أصالتنا ، والسيطرة على مقدراتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وطموحنا في تحدي الأمم الأخرى ومنافستها في مجال التقدم والرقي .
وإذا كان علم أصول الفقه والقواعد الشرعية والاجتهاد بالرأي تساعد على تطوير الفقه وتنميته ، وتخرجه من جموده ، وتجعله يواكب سائر المتغيرات والمستجدات التي تحدث بعنف من حولنا . وإذا كنّا قد حاولنا في هذا المبحث إثبات هذا التأثير لهذه العوامل مجتمعة والبرهنة عليه طبقا لما سطرناه في هذه الصفحات الموجزة فنكون بالتالي قد بذلنا وسعنا في حض حجج المستشرقين الذين ما فتئوا يكررون بدون ملل وكلل جمود فقهنا وعدم استطاعته مسايرة تطورات ومتغيرات زماننا . وكفى بنا خدمة لمجتمعنا ما قدمناه في هذا السبيل فهو يغني عن الكثير ويبرهن على مقاصدنا وأهدافنا في خدمة بلادنا واللّه من وراء القصد فهو نعم المولى ونعم النصير .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 569
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٥٦٩