في النمط ما عدا وجوه الإعجاز ، وبذلك فلا بد أن يبلغ في العربية مبلغ الأئمة منها ، كالخليل وسيبويه والأخفش والجرمي والمازني ومن سواهم « 1 » .
ولعل « الشاطبي » أضاف شرطا آخر للمجتهد وهو أن يكون عالما بمقاصد الشريعة ، متفهما لها ، مدركا لكلياتها وجزئياتها ؛ وفي هذا الصدد يقول « الشاطبي » : إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين ؛ أحدهما : فهم مقاصد الشريعة على كمالها . والثاني : التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها « 2 » . أما الشرط الأول فقد بيّنه « الشاطبي » في كتاب المقاصد ، واعتباره أن الشريعة مبنية على تحقيق المصالح ، وأن المصالح إنما اعتبرت من حيث وضعها الشارع كذلك ، لا من حيث إدراك المكلف ، إذ المصالح تختلف عند ذلك بالنسب والإضافات . واستقرارها التام على ثلاث مراتب وهي الضرورية والحاجية والتحسينية . فإذا بلغ الإنسان مبلغا فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة ، وفي كل باب من أبوابها ، فقد حصل له وصف هو السبب في تنزّله منزلة الخليفة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في التعليم والفتيا والحكم بما أراده اللّه « 3 » .
أمّا الشرط الثاني : فهو كالخادم للأول ، فإن التمكن في ذلك « من الاستنباط » إنّما هو بواسطة معارف محتاج إليها في فهم الشريعة أولا ، ومن هنا كان خادما للأول ، وفي استنباط الأحكام ثانيا . لكن هذه المعارف تارة يكون الإنسان عالما بها مجتهدا فيها ، وتارة يكون حافظا لها متمكنا من الاطلاع على مقاصدها غير بالغ رتبة الاجتهاد فيها ، وتارة يكون حافظا لها متمكنا من الاطلاع على مقاصدها غير بالغ رتبة الاجتهاد فيها ، وتارة يكون غير حافظ ولا عارف ، إلّا أنه عالم بغايتها وأن له افتقارا إليها في مسألته التي يجتهد فيها . . . . ، وليس بعد هذه المراتب الثلاث مرتبة يعتدّ بها في نيل المعارف المذكورة « 4 » .
ونحن أوردنا لك الشروط اللازم توافرها في المجتهد بحيث تدرك أن هذا الميدان ليس مفتوحا لكل إنسان ، وأنه لا يلجه إلّا من له أدواته العلمية الصارمة ، وأن تفهم السبب الذي من أجله أفتى العلماء بغلق باب الاجتهاد عندما تصدى له من ليس له
هامش
( 1 ) الشاطبي ، الموافقات ، الجزء الرابع ، المرجع السابق ، ص 114 - 115 .
( 2 ) الشاطبي ، الموافقات ، الجزء الرابع ، المرجع السابق ، ص 106 .
( 3 ) الشاطبي ، المرجع السابق ، ص 106 - 107 . وقد بيّنا بالتفصيل مقاصد الشارع طبقا للشاطبي ، وتقسيمها إلى ضرورية وحاجية وتحسينية . وأسهبنا القول في أهميتها في تطوير الفقه الإسلامي وتجديده ، وقد خصص لها الشاطبي الجزء الثاني من كتابه الموافقات كاملا .
( 4 ) الشاطبي ، الموافقات ، الجزء الرابع ، المرجع السابق ، ص 107 - 108 .