تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 566

مساهمون:

ص٥٦٦
الإسلامية جاءت بنصوص ثابتة والاجتهاد فيها يكون من خلال تطبيقها على الوقائع بظروفها وملابساتها . كما جاءت الشريعة بنصوص تتضمن « المتغيرات » والاجتهاد فيها أوسع وأرحب أفقا حيث يتم استنباط الحكم الملائم من النص الظني لا القطعي ، وحيث يتم الاجتهاد في التطبيق من خلال استنباط الأحكام الجزئية من القواعد الكلية التي تنتاب المجتمع في كل عصر وبيئة بما يحتفّ بها من ظروف وملابسات متجددة ، ومتغايرة لا تنحصر « 1 » وقد أبرز الإمام الشاطبي ، أهمية الاجتهاد بالرأي في النصوص التي تحتوي على المتغيرات بقوله : « إن الوقائع في الوجود لا تنحصر ، فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة . ولذا احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره ، فلا بد من حدوث وقائع ، لا تكون منصوصا على حكمها ، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد » . وينبه « الشاطبي » إلى خطر الالتفات عن الاجتهاد وما ينجم عنه من الفساد وعدم مراعاة الناس مصالح النساء واختلال حال الأمة ، وانخرام أحكام التكاليف فيقول : « فإما أن يترك الناس فيها مع أهوائهم ، أو ينظر فيها بغير اجتهاد شرعي ، وهو أيضا اتباع للهوى ، وذلك كله فساد . . . ، فإذا لا بد من الاجتهاد في كل زمان ، لأن الوقائع المفروضة لا تختص بزمان دون زمان » « 2 » . ونظرا لأهمية الاجتهاد وضرورته ، وديناميكيته التي تجعل من الفقه الإسلامي صالحا لكل زمان ومكان لم يترك العلماء الباب مفتوحا أمام كل وافد أو مدّع لممارسة الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية بدون شروط أو قيود صارمة حتى لا يلج هذا الباب من ليس أهلا له ، وحتى لا يفتى في أحكام اللّه بغير حجة قاطعة ومنطق سليم ودليل قويم . ولهذا فقد اشترط العلماء فيمن يزاول الاجتهاد بالرأي شروطا عدة منها : العلم بأحكام اللّه ؛ فرضه ، وأدبه ، وناسخه ومنسوخه ، وعامه وخاصه وإرشاده « 3 » . ولكن الأصوليين لا يشترطون في المجتهد معرفة جميع الكتاب بل ما يتعلق به الأحكام منه وهو مقدار خمسمائة آية ، بل إنهم لا يشترطون في المجتهد حفظها عن ظهر قلب ، إلّا أنه يكون عالما بمواضعها بحيث يطلب فيها الآية المحتاج
هامش
( 1 ) الشاطبي ، الموافقات ، الجزء الرابع ، ص 104 وما يليها . ( 2 ) الشاطبي ، الموافقات ، الجزء الرابع ، ص 104 . ( 3 ) الشاطبي ، الرسالة ، المرجع السابق ، ص 510 . وقد اشترط الشافعي في القياس الشروط الواجب توافرها في المجتهد لأن القياس بالنسبة إليه هو الاجتهاد .