أن لكل واقعة حكما واحدا ، وعلى المجتهد البحث عنه وبيانه ، إذ لا يعقل أن يكون لواقعة واحدة حكمان مختلفان وإلّا تناقضت الأحكام الشرعية . ومن هنا تبرز ضرورة الاجتهاد وأهميته لتعيين الحكم الواحد للواقعة المطروحة على بساط البحث . وكتب الأصول الفقهية مليئة بأحكام القرآن الظنية والتي كانت مجالا خصبا للاجتهاد بالرأي كقوله تعالى :
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
فلفظ « القرء » في اللغة العربية مشترك بين معنيين يطلق لغة على « الطهر » ، ويطلق لغة على « الحيض » . والنص دل على أن المطلقات يتربصن ثلاثة قروء ، فيحتمل أن يراد ثلاثة أطهار ويحتمل أن يراد ثلاث حيضات فهو ليس قطعي الدلالة على معنى واحد من المعنيين ولهذا اختلف فيه المجتهدون في أن عدة المطلقات ثلاثة أطهار أو ثلاث حيضات .
وورد في القرآن الكريم
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ
فلفظ الميتة عام والنص يحتمل الدلالة تحريم كل ميتة ، ويحتمل أن يختص التحريم بما عدا ميتة البحر . ومن هنا كان الاجتهاد ضروريّا لبيان الجزئيات المنضوية تحت القواعد الكلية الواردة في القرآن الكريم ، ولبيان الحكم القطعي للنص القرآني الظني . وهذا الاجتهاد يشمل جميع الأحكام ويفسرها طبقا لاختلاف الأزمنة والبيئات ، ومن هنا كان قولنا : إن الفقه الإسلامي صالح للتطبيق في كل زمان ومكان .
لا يقتصر الاجتهاد على بيان الجزئيات الكامنة في القواعد الكلية التي وردت في القرآن الكريم ، ولا بيان الأحكام الدالة على نصوصه الظنية ولكن الكثير من آياته لم يفسرها الرسول حال حياته ليعلم وجه الحق فيها بالرغم من أن اللّه قد أمره في آيات عديدة بإبلاغ الناس ما ينزل عليه من الوحي وأن يقوم بشرحه وبيانه لهم . ولعل السر في ذلك أن الرسول ترك تفسيره العديد من الأحكام القرآنية لاجتهادات المجتهدين لأنه يعلم أن النوازل والحوادث سوف تتغاير طبقا لتطور وتغاير الأزمنة والأمكنة ، فترك بعضا منها حتى يتمكن أهل العلم من أمته من تفسيرها طبقا لمقتضيات زمانها واختلاف بيئاتها خاصة أن أحكامه قد وردت كلية ، وأن بعض أحكامه ظنية ، وأن ما ورد فيه عالمي النزعة بحيث يخاطب الإنسان أينما كان وفي أي عصر وجد طبقا لما يطابق ظروفه وأحواله وتطوره . وبالرغم من أن القرآن يحتوي على نصوص قطعية الثبوت والدلالة والتي لا مجال للاجتهاد فيها فإنه يحتوي أيضا على أحكام غير قاطعة الدلالة فهي متغيرة وليست ثابتة لأنها مسايرة للمصالح المتغيرة ، ولهذا نقول : إن من عوامل استمرار الفقه الإسلامي وصلاحيته للبقاء والتطبيق في كل زمان ومكان أن الشريعة