تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 563

مساهمون:

ص٥٦٣
الشريعة وروحها ، وأن يكون في نطاق مقاصدها العامة التي يطلق عليها « الكليات » كيلا يجنح هذا الاجتهاد إلى ما يناقض الشريعة أصلا وهدفا ، وهو ما عبر عنها أحد العلماء المعاصرين بقوله : « أمّا السياسية الشرعية ، فهي الأحكام التي تنظم بها مرافق الدولة ، وتدبر بها شؤون الأمة ، مع مراعاة أن تكون متفقة مع روح الشريعة ، نازلة من أصولها الكلية ، محققة أغراضها الاجتماعية ، ولو لم يدل عليها شيء من النصوص التفصيلية الجزئية الواردة في الكتاب والسنة » « 1 » . وقد لعبت السياسة الشرعية دورا بارزا في تطوير الفقه الإسلامي وتجديده في الماضي ، وفصّل فقهاء المسلمين فيها القول تفصيلا ، وأشاروا إلى أهميتها في تجديد الفقه الإسلامي وخصوبته ومرونته ومسايرته للوقائع المتجددة ، والظروف المتطورة . ولكنهم اشترطوا الاجتهاد من خلالها على ضرورة موافقتها لأحكام الشريعة الإسلامية ، وعدم مناقضتها للدليل القطعي ، وارتباطها بالعدل في الإسلام ، وفي هذا الصدد يقول « ابن قيم الجوزية » : « السياسة ما كان فعلا ، يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح ، وأبعد عن الفساد ، وإن لم يضعه الرسول ، ولا نزل به وحي . . . وإنما كان رأيا اجتهاديا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة » « 2 » . يصف « ابن قيم الجوزي » السياسة الشرعية باعتبارها « عدل اللّه ورسوله » بقوله : « فلا يقال : إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع ، بل هي موافقة لما جاء به ، بل هي جزء من أجزائه ، ونحن نسميها « سياسة » تبعا لمصلحتنا ، وإنما هي « عدل اللّه ورسوله » ظهر بهذه الأمارات والعلامات » « 3 » . ومن هنا تبرز السياسة الشرعية كأداة هامة في تطوير الفقه الإسلامي عندما يتم الاجتهاد من خلالها . لعل من العوامل الأساسية التي تدعو إلى الاجتهاد وتحث عليه وتجعله لازمة على القادرين عليه هو منهج القرآن الكريم في الأحكام . فقد أشرنا في مواطن عديدة من كتابنا إلى أن الآيات القرآنية التي تعالج المسائل العملية جاءت كلية لا تفصيلية إلّا في القليل النادر . وهذا الوضع يحتم الاجتهاد بالرأي لاستنباط الأحكام الجزئية من
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 13 . ( 2 ) ابن قيم الجوزية ، الطرق الحكمية ، ص 13 و 14 ، ذكره الدكتور الدريني في بحثه السابق ، ص 14 وأوردنا هذه المعلومات المنقولة عنه بتصرف وإيجاز . ( 3 ) ابن قيم الجوزية ، المرجع السابق ، ص 15 ، الدريني ، المرجع السابق ، ص 14 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 563 | ساسي سالم الحاج