تلك القواعد الكلية . ومن المعروف منطقيا وأصوليّا أن هذه الأحكام تقتضي تنزيلها من أفقها المنطقي المجرد على الوقائع الجزئية المماثلة التي تتحقق فيها مناطات الأحكام ولا يتم ذلك إلّا عن طريق الاجتهاد بالرأي الذي يتم عن طريق فهم تلك القواعد الكلية وتحديد خصائصها . ثم تطبيق ما ينجم عن تلك القواعد الكلية من حلول جزئية على أرض الواقع التطبيقي . وهكذا فإن المجتهد يتمكن من خلال اجتهاده عبر هذه القواعد الكلية إلى إيجاد الحلول الناجعة والفعالة للعديد من القضايا والحوادث المستجدة مهما تغيرت الأزمنة والأمكنة . ومن خلال هذا الاستنباط الواقع على هذه القواعد القرآنية الكلية نستخرج دوما حلولا لكل مسألة قد تطرأ في سائر العصور والبيئات ، ومن هنا إقرار الأصوليين لفرضية الاجتهاد في الإسلام ، وأن يتم ابتلاء اللّه تعالى عباده به ، كل بحسب وسعه ، كما ابتلاهم بسائر فرائضه « 1 » . وإن تكليف العقل بالفكر والاجتهاد للقادر عليه ، والمؤهل له ، يساوي تكليف الجسم بالعبادة « 2 » .
يضاف إلى ما سلف بيانه أن الاجتهاد ضروري لفهم مقاصد الشريعة الإسلامية ، هذه المقاصد مبثوثة في الأحكام الكلية الواردة في القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية الصحيحة . ولا يمكننا فهمها والكشف عن كنهها ، واستخراج الأحكام الجزئية المنضوية تحتها إلّا عن طريق الاجتهاد بالرأي . وفي هذا الصدد يقول « الشاطبي » : « إن الكتاب قد تقرر أنه كلي الشريعة ، وعمدة الملة ، وينبوع الحكمة ، وآية الرسالة ، ونور الأبصار وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها ، أن يتخذه سميره وأنيسه ، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي ، نظرا وعملا لا اقتصارا على أحدهما « 3 » .
ومما يستلزم الاجتهاد بالرأي وضرورته لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية أن القرآن بالإضافة إلى إيراده للأحكام الكلية فإن معظم نصوصه المبيّنة للأحكام هي ظنّية غير قطعية . وبذلك فإن الاجتهاد في هذه الأحكام الظنية ضرورة حتمية يمليها تحديد المعنى المراد من النص من بين معانيه المحتملة ، إذ من المعروف
هامش
( 1 ) الدريني ، المرجع السابق ، ص 6 . وقد أشار الدريني إلى استقائه هذه الجملة من كتاب الرسالة للإمام الشافعي دون ذكر الطبعة وسنة الطبع والصفحة . وتتبعنا كتاب الشافعي من ص 471 إلى آخره الخاصة بالإجماع ، والقياس ، والاجتهاد ، والاستحسان والاختلاف ولم نعثر فيها على هذه الجملة المنسوبة إليه .
( 2 ) محمد الخضري ، أصول الفقه الإسلامي ، ص 340 عن الدريني ، ص 6 .
( 3 ) الشاطبي ، الموافقات ، الجزء الثالث ، ص 8 ذكره الدريني ، ص 7 .