تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢
وإذا كانت الواقعة المطروحة أمام المجتهد لا نص على حكمها أصلا ففيها مجال متسع للاجتهاد . لأن المجتهد يبحث عن الحل المناسب لها عن طريق القياس أو الاستحسان أو المصالح المرسلة أو قواعد العرف . وهكذا فإن الاجتهاد فيما لا نص فيه قد يتم عن طريق القياس الذي يردّ النظير إلى نظيره لعلة جامعة بينهما . وهذا المصدر التشريعي هو من أخصب المصادر الأصولية التي تساعد الفقيه والمجتهد على إيجاد الحلول الصحيحة لوقائع لا نصّ فيها عن طريق تطبيق هذه الأداة التي كثيرا ما أشرنا إلى أهميتها في تطوير الفقه الإسلامي وتجديده . ولا يزال القياس صالحا للاستخدام في زماننا هذا وفي كل زمان مستقبلي لأننا نتمكن به من أن نحكم على النظير الذي لا نص فيه ، بمثل ما حكمنا به على نظيره الذي ورد فيه نص للعلة الجامعة بينهما . ويستطيع المجتهد أن يجتهد فيما لا نص فيه عن طريق تقدير المصالح المتجددة التي لم يرد فيها نص . وهذه المصالح من الكثرة والتجدد بحيث لا يمكن إحصاؤها فنجتهد من خلالها لإيجاد حلول لا نص فيها عن طريق تطبيقها تطبيقا سليما يتمشى وأحكام الشرع السليم وعلى نحو يقيم الدنيا بما لا يتناقض مع جعلها سبيلا للآخرة ، ولأن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا « 1 » . ويستطيع المجتهد مزاولة الاجتهاد بالرأي في الوقائع التي لا نص فيها وذلك عن طريق منهج سياسة التشريع التي تستلزمها الظروف المستجدة بما تبنى عليه من تحقيق العدل ، ومقاصد التشريع والأمن العام . وعن طريق السياسة الشرعية التي يتمكن المجتهد من إيجاد العديد من الحلول للقضايا المستجدة التي لا نص شرعيّا يحكمها بحيث يتطور الفقه من خلالها دون أن ينافي مقاصد الشريعة . لأن السياسة الشرعية باعتبارها اسما للأحكام والتصرفات التي تدبر بها شؤون الأمة في حكومتها ، وتشريعها ، قضائها ، وفي جميع سلطاتها التنفيذية ، والإدارية ، وفي علاقاتها الخارجية التي تربطها بغيرها من الأمم « 2 » لا بد من أن يجري الاجتهاد بمقتضاها على أصول
هامش
( 1 ) الشاطبي ، الموافقات ، الجزء الثاني ، المرجع السابق ، ص 6 . ( 2 ) الشيخ عبد الرحمن تاج ، السياسة الشرعية والفقه الإسلامي ، ذكره الدكتور محمد فتحي الدريني ، في بحثه المقدم لندوة « تجديد الفكر الإسلامي نحو مشروع إسلامي حضاري معاصر » بعنوان « مناهج الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي » ، المرجع السابق ، ص 13 .