يتعرض للمناط ، فكأنه أخرج بالبحث ، وهو الاجتهاد القياسي « 1 » . ويمثل هذا النوع من الاجتهاد كون القتل العمد والعدوان علة لوجود القصاص حتى يقاس على ذلك كل ما سواه ، فهو نظر واجتهاد في معرفة علة حكم دل النص أو الإجماع عليه دون علته .
والثالث : هو نوع من تحقيق المناط الآنف الذكر إلّا أنه ضربان : أحدهما ما يرجع إلى الأنواع لا إلى الأشخاص ، كتعيين نوع المثل في جزاء الصّيد ، ونوع الرقبة في العتق في الكفارات وغيرها . والضرب الثاني ما يرجع إلى تحقيق مناط فيما تحقق مناط حكمه ، فهو ينقسم بدوره إلى قسمين ؛ الأول : تحقيق عام كأن ينظر المجتهد في العدالة مثلا ، ووجد شخصا متصفا بها على حسب ما ظهر له ، أوقع عليه ما يقتضيه النص من التكاليف المنوطة بالعدول ، من الشهادات والانتصاب للولايات العامة أو الخاصة . وهكذا في بقية الأوامر والنواهي وغيرها . والثاني : تحقيق خاص من ذلك العام وهو مبني على التقوى المذكورة في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية « 2 » .
ونحن لا يهمنا في بحثنا هذا استقصاء أنواع الاجتهاد ، ومراتبه ، والفرق بينه وبين التقليد وبينه وبين الإفتاء لأن كتب الأصول القديمة منها والحديثة مليئة بهذه المعلومات . ولكن الذي يهمنا كيفية استخدام الاجتهاد في الوقت الحاضر لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية . وكيف نتمكن بمقتضاه من البرهنة على إمكانية تطور الفقه الإسلامي وبالتالي قدرته على مسايرة تطورات الحياة وجعله صالحا للتطبيق في كل زمان ومكان .
إن الإجابة عن التساؤلات السابقة تقتضي منا معرفة إمكانية الاجتهاد في « نطاق النص » والاجتهاد « فيما لا نص فيه » .
ذهب معظم العلماء إلى القول : إنه إذا كانت الواقعة التي يراد معرفة حكمها قد دل على الحكم الشرعي فيها دليل صريح قطعي الثبوت والدلالة فلا مجال للاجتهاد فيها ، والواجب أن ينفذ فيها ما دل عليه النص ، لأنه ما دام قطعي الورود فليس ثبوته وصدوره عن اللّه أو الرسول موضع بحث وبذل جهد . وما دام قطعي الدلالة فليست دلالته على معناه واستفادة الحكم منه موضع بحث واجتهاد « 3 » .
هامش
( 1 ) الشاطبي ، الموافقات ، المرجع السابق ، ص 96 .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 96 .
( 3 ) عبد الوهاب خلّاف ، علم أصول الفقه ، المرجع السابق ، ص 216 .