الباحثون من استنباط جميع الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية لمواجهة الحوادث والنوازل الطارئة فما دور الاجتهاد في هذا المقام ؟ . هذا ما سنعالجه في المطلب الثالث والأخير من هذا المبحث .
المطلب الثالث الاجتهاد ودوره في تطوير الفقه الإسلامي
الاجتهاد في اللغة هو عبارة عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور مستلزم للكلفة والمشقة . أمّا في اصطلاح الأصوليين فمعناه استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه « 1 » . وعرف الشوكاني الاجتهاد بأنه بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط « 2 » .
ويعرفه « الغزالي » ببذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه العجز عن مزيد طلب « 3 » .
وهذه التعريفات وغيرها تتفق على أن المقصود بالاجتهاد هو استنباط الأحكام وبيانها ، وهو الذي يقوم به العلماء المجتهدون بحيث يبذلون وسعهم وجهدهم للتعرف إلى أحكام الفروع العملية من أدلتها التفصيلية . وهذا النوع من الاجتهاد لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف . ووصف « الشاطبي » هذا النوع من الاجتهاد الخاص باستنباط الأحكام وبيانها بأنه الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط ، وهو الذي لا خلاف بين الأمة في قبوله . ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله - أي تطبيقه على الجزئيات والحوادث الخارجية « 4 » .
أمّا النوع الثاني من الاجتهاد فهو الذي يمكن أن ينقطع وقد قسمه « الشاطبي » إلى ثلاثة أنواع : أحدهما المسمى بتنقيح المناط ، وذلك أن يكون الوصف المعتبر في الحكم مذكورا مع غيره في النص ، فينقح بالاجتهاد ، حتى يميز ما هو معتبر بما هو ملغى ، والثاني المسمى بتخريج المناط . وهو راجع إلى أن النص الدال على الحكم لم
هامش
( 1 ) الآمدي ، الإحكام في أصول الأحكام ، المرجع السابق ، ص 218 ، الجزء الرابع .
( 2 ) الشوكاني ، إرشاد الفحول ، المرجع السابق ، ص 250 .
( 3 ) الغزالي ، المستصفى ، الجزء الثاني ، المرجع السابق ، ص 350 .
( 4 ) الشاطبي ، الموافقات ، الجزء الرابع ، المرجع السابق ، ص 89 - 90 .