تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 558

مساهمون:

ص٥٥٨
تواجهنا شريطة ألّا نحلل حراما أو نحرّم حلالا وما عداه فهو مباح ومندوب إليه حتى نتمكن من مسايرة التطور الذي جرف جميع مناحي حياتنا الحاضرة . وإذا كانت القواعد الأصولية التشريعية المبنيّة على مقاصد الشريعة التي شرعت مراعاة لمصالح الناس وحاجاتهم وعاداتهم . وإذا كانت أحكام المعاملات مبنية كلها على علل معقولة ، وتتغير بحسب المصلحة العامة والحاجة والضرورة ، وتتأثر باختلاف البيئات وتقلّب العصور والأحوال والعادات فإن تطبيقها في زماننا الحاضر يؤدي بنا إلى إيجاد الحلول الناجعة لكلّ الحوادث التي تواجهنا بحيث يمكننا إيجاد أحكام عادلة ومنطقية لحوادث لا قبل للسابقين بها ولا سبيل لنا من التنكب عنها أو إغفالها وإلّا تعرّضت مصالحنا للإهمال . ولكن هذه الدعوة الصالحة التي ننادي بها والتي نراها برهانا واضحا على صلاحية تطبيق الفقه الإسلامي مهما تغيرت الأزمنة والأمكنة فإننا لا نقصد منها إطلاقا تغيير النصوص الواردة في القرآن الكريم أو السنة الثابتة لأنه لا يجوز المساس بها بأي حال من الأحوال . ولكن تغيير التفسير والاجتهاد لهذه النصوص أمر مباح ومندوب إليه شريطة أن يتم ذلك على ضوء الضرورة أو تغير العلل والعادات التي بنيت عليها . لقد أثبتت لنا دراستنا هذه أن الفقه الإسلامي كان مجاريا للتطورات التي حصلت للمجتمع الإسلامي ، وقد تكيف دوما بالمستجدات الحديثة التي تواجهه ، وكان دوما سباقا إلى إيجاد الحلول لجميع المشاكل والحوادث الجديدة التي تطرأ عليه ، وأنه قد استوعب سائر الحضارات والثقافات التي وجدها في الأقطار المفتوحة فتمثلها ، ووجد لها حلولا ناجعة في إطاره التشريعي العام . وهكذا فإن روح الفقه الإسلامي ينبني على المصلحة العامة ، والخير العام ، وتحقيق العدالة . وهذا أكبر دليل على بطلان من زعم من المستشرقين أن الفقه الإسلامي قد أصابه الجمود ولا تساير قواعده وأحكامه المستجدات والتطورات الحديثة . إن علم أصول الفقه والقواعد الفقهية العامة ، ومراعاة مقاصد الشريعة الإسلامية وأهدافها المتمثلة في رعاية مصالح العباد في المعاش والمعاد قد ساعدت على تجديد الفقه الإسلامي وصيرته قادرا على تطوير قواعده بما يتناسب وكل المستجدات والتغيرات التي تحدث في كل زمان وكل مكان ، وأثبتت خطل رأي من قال : إن هذا الفقه محكوم عليه بالجمود ، ولكن هذه العوامل ليست وحدها التي وضعته في هذه المكانة السامية ، فالاجتهاد يدفع به هو الآخر دوما إلى هذا المقام إذ عن طريقه يتمكن
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 558 | ساسي سالم الحاج