دلالة الألفاظ والعبارات على المعاني قد تحتمل أكثر من وجه ، والذي يرجح واحدا من هذه الوجوه على غيره هو الوقوف على مقاصد الشارع في التشريع ، ولأن الأدلة الجزئية قد يتعارض بعضها مع بعض في ظاهر الأمر فيحتاج إلى التوفيق بينها ومعرفة ما يعمل به منها وما لا يعمل به « 1 » .
رأينا آنفا كيف أن الإمام « الشاطبي » قد وقف كتابه « الموافقات » على مقاصد الشريعة حتى قال بعض الفقهاء : إنه تجديد محدث لعلم الأصول الإسلامي . فمعرفة هذه المقاصد تساعدنا على استنباط الأحكام الشرعية وبيان مراميها وأهدافها . كما تساعدنا على إيجاد الحلول الناجعة لجميع المشاكل والحوادث التي تواجهنا في عصرنا وغيره من العصور ، وإذا كانت مقاصد الشريعة مبنيّة على مصالح العباد في المعاش والمعاد هي تتجدد في كل زمان ومكان فإنها - بلا ريب - أكبر مساعد لنا على استنباط الأحكام بناء على معرفة هذه المقاصد التي تهدف إلى تحقيق مصالح الناس بكفالة ضرورياتهم ، وتوفير حاجياتهم وتحسيناتهم .
وهناك قاعدة أخرى لها أثرها في تطوير الفقه الإسلامي وتبرهن على صلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان وهي مبدأ تغير الأحكام . لأن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ، ومنهاج مستقر - كما قال ابن خلدون - « 2 » . وهكذا تتبدل مصالح الناس بتبدل وتغير الظروف والأحوال والمجتمعات . ويستتبع ذلك حتما تبدل الأحكام الشرعية وفق تبدل الزمان . وقد نصت مجلة الأحكام العدلية على هذه القاعدة عندما ذكرت أنه « لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان » « 3 » . وقد أضاف الفقهاء إلى هذه القاعدة : إن تغير الأحكام لا ينكر بتغير الأزمان وتغير الأمكنة والأحوال ، وقد سردنا في المباحث السابقة من دراستنا كيفية تغير الأحكام بتغير الأحوال كإسقاط سهم المؤلّفة قلوبهم ، واعتبار الطلاق الثلاث طلقة واحدة ، وبيع أمهات الأولاد ، وإسقاط حد السرقة عام المجاعة ، وتعطيل الحدود في أرض العدو وغيرها كثير . وقياسا على تلك الحوادث والنوازل فإننا نتمكن في الوقت الحاضر من تغيير العديد من الأحكام بناء على المستجدات والنوازل التي
هامش
( 1 ) زكي الدين شعبان ، أصول الفقه الإسلامي ، المرجع السابق ، ص 281 - 282 .
( 2 ) ابن خلدون ، المقدمة ، المرجع السابق ، ص 24 .
( 3 ) المادة « 39 » من مجلة الأحكام العدلية .