وإذا كان علم أصول الفقه والقواعد الفقهية يساعدان على تطوير الفقه الإسلامي ويبرهنان على صلاحيته فإن مقاصد الشريعة لا تقل أهمية في هذا الصدد ، لأن هذه المقاصد التي استمدها علماء أصول الفقه الإسلامي من استقراء الأحكام الشرعية .
ومن استقراء عللها وحكمها التشريعية ومن النصوص التي قررت مبادئ تشريعية عامة وأصولا تشريعية كلية لها أكبر الأثر وأعظمه في تطوير الفقه الإسلامي واستمراريته وصلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان .
اهتم فقهاء المسلمين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم أمثال العز بن عبد السلام وابن قيم الجوزية وأبي إسحاق الشاطبي وغيرهم بالمصالح والأسباب التي بنيت عليها الشريعة وقسموها إلى العبادات والمعاملات . ونحن لا يهمنا في هذا السياق إلّا المعاملات باعتبارها موضوع الفقه الإسلامي ومجال نشاطه . فرأوا أن هذه المقاصد معروفة بالعقل ، ومبنية على جلب المنافع للناس ودرء المفاسد عنهم . وأحسن من عبر عن هذه المقاصد الشرعية وبيان أهميتها ابن قيم الجوزية الذي قال : « إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد . وهي عدل كلها ، ورحمة كلها ، وحكمة كلها . فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل . فالشريعة عدل اللّه بين عباده ، ورحمته بين خلقه ، . . . إلى أن يقول : فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة . وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها ، وحاصل بها . وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها ، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم ، وبها يمسك اللّه السماوات والأرض أن تزولا ، فإذا أراد اللّه سبحانه وتعالى خراب الدنيا وطيّ العالم رفع إليه ما بقي من رسومها ، فالشريعة التي بعث اللّه بها رسوله هي عمود العالم ، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة » « 1 » .
هكذا تصبح معرفة مقاصد الشريعة من العوامل التي يستعان بها على فهم النصوص الشرعية وتطبيقها على الوقائع ، والاستدلال على الحكم فيما لا نصّ فيه .
ومن الواجب على كل من يريد استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الجزئية أن يحيط بل كل شيء بأسرار الشريعة والمقاصد العامة التي راعاها الشارع في التشريع ، لأن
هامش
( 1 ) ابن قيم الجوزية ، أعلام الموقعين ، المرجع السابق ، الجزء الثالث ، ص 1 .