تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 555

مساهمون:

ص٥٥٥
ويدخل في إطار هذه القواعد المتعلقة بالإثبات قاعدة : « الأصل براءة الذّمة » و « اليقين لا يزول بالشك » ، وإن كانت القاعدة الأولى قد تتفرع عن القاعدة الفقهية القائلة : إن الأصل بقاء ما كان على ما كان إلّا أنها تدخل ضمن قواعد الإثبات . أمّا القاعدة الثانية وهي « اليقين لا يزول بالشك » فإنها مأخوذة هي الأخرى من قاعدة « ما ثبت بيقين لا يرتفع بالشك ، وما ثبت بيقين لا يرتفع إلّا بيقين » . ومعنى هذه القاعدة أن الشيء المتيقن لا يزول بالشك الطارئ عليه وإنّما يزول بيقين مثله . ومن فروع هذه القاعدة أن ثبوت الدّين بذمة إنسان لا يزول إلّا بثبوت إبراء الدائن له أو أدائه من المدين . فمن تملّك عينا بسبب شرعي لا تزول ملكيته إلّا بثبوت ما يزيلها . ومن كان له على شخص مبلغ معين اعترف به ثم دفع بالتسديد دون إثبات فلا يمكن أن يؤخذ بالدفع المذكور دون إثبات لأن التسديد الذي دفع به يكون شكّا تجاه دين ثابت باليقين . وقد علّق السيوطي في كتابه « الأشباه والنظائر » على هذه القاعدة بأنها تدخل في جميع أبواب الفقه ، والمسائل المخرجة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه أو أكثر . واستخرجت منها قواعد عديدة مثل : الأصل بقاء ما كان على ما كان . والقديم يترك على قدمه إلّا أن الضرر لا يكون قديما . والأصل براءة الذمة . والأصل في الصفات العارضة العدم . والأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته . والأصل في الكلام الحقيقة ، وغيرها من القواعد الأخرى « 1 » . ولهذه القواعد مجال واسع في تلمس العديد من الحلول الجزئية المنضوية تحتها . هكذا تتضح لنا أهمية القواعد الفقهية في تطوير الفقه الإسلامي . لأن هذه القواعد التي أتينا على ذكرها وغيرها تندرج تحتها العديد من القواعد الكلية الفرعية ، والأخيرة تندرج تحتها العديد من الجزئيات . فيتمكن الفقيه بها من إيجاد جميع الحلول للمسائل والقضايا المطروحة أمامه ، وتبطل بالتالي الدعوى القائلة بعدم صلاحية الفقه الإسلامي للتطبيق في كل زمان ومكان كما تبطل تلك الدعوى الاستشراقية القائلة بجموده وعدم مرونته هي الأخرى .
هامش
( 1 ) أ - محمد شفيق العاني ، المرجع السابق ، ص 130 . ب - عبد الكريم بدران ، المرجع السابق ، ص 95 . ج - د . عبد العظيم شرف الدين ، المرجع السابق ، ص 319 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 555 | ساسي سالم الحاج