لو تناولنا القاعدة الفقهية المستمدة من الحديث الشريف « لا ضرر ولا ضرار » لوجدنا أن هذه القاعدة تتضمن حكمين ؛ الأول : لا يجوز الإضرار ابتداء لأن ذلك محرم في جميع الشرائع . والثاني : لا يجوز مقابلة الضرر بالضرر ، إذ على المتضرر اللجوء إلى القضاء لاستيفاء حقه وإزالة الضرر الواقع عليه .
وقد فرع الفقهاء على هذه القاعدة عدة قواعد فقهية عامة منها : الضرر يزال .
ويتحمّل الضرر الخاص لدفع الضرر العام والضرر الأشد يزال بالضرر الأخف . وإذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما . ويختار أهون الشّرّين .
والضرورات تبيح المحظورات . والضرورات تقدّر بقدرها . والضرر لا يزال بمثله .
والقديم يترك على قدمه والضرر لا يكون قديما « 1 » . وفي هذه القواعد مجال خصب لاستنباط الأحكام الجزئية المندرجة تحتها .
ولو استعرضنا القاعدة الفقهية التي تنص على أن « المشقة تجلب التيسير » لوجدنا أن المراد منها هو أن العسر سبب للتسهيل في تشريع الأحكام ، فإذا ظهرت مشقة في أمر يأتي الشرع بأحكام تهوّن هذه المشقة وتسهلها . وقد بنيت هذه القاعدة على الآيات الواردة في القرآن الكريم التي تبين يسر الدين وسهولته لقوله تعالى :
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
« 2 » . وقوله تعالى :
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
« 3 » . وما روي عن الرسول نهيه عن قطع أيدي اللصوص في الغزو لقوله : « لا تقطع الأيدي في السفر » . وقد قاس المسلمون على هذا الحديث فأبطلوا تطبيق الحدود إبّان الغزو ووجودهم في أرض العدو لئلا يلتحق المحكوم عليه بالأعداء « 4 » .
وقد أخذت مجلة الأحكام العدلية بهذه القاعدة وقلت عنها : إن العصوبة تصير
هامش
( 1 ) أ - محمد شفيق العاني ، المرجع السابق ، ص 111 .
ب - عبد الكريم زيدان ، المرجع السابق ، ص 98 - 101 .
ج - أحمد فهمي أبو سنة ، المرجع السابق ، ص 60 - 65 .
د - د . عبد العظيم شرف الدين ، المرجع السابق ، ص 341 - 345 .
ه - الشيخ عبد العال عطوة ، المرجع السابق ، ص 126 - 130 .
ز - المواد 19 ، 20 ، 25 ، من مجلة الأحكام العدلية .
( 2 ) سورة الحج ، الآية : 78 .
( 3 ) سورة النحل ، الآية : 115 .
( 4 ) صبحي محمصاني ، المرجع السابق ، ص 270 .