يعمل الإنسان عملا بقصد معين فيترتب على عمله حكم ، ثم قد يعمل مثله بقصد آخر فيترتب على عمله حكم آخر « 1 » . وهكذا فإن الفعل يرجع حكمه إلى المقصود منه طبقا للحديث الشريف الآنف بيانه . ولذا ارتبطت الأفعال بالمقاصد . وقد وردت هذه القاعدة في المادة الثانية من مجلة الأحكام العدلية وتعني بها أن الحكم الذي يترتب على أمر يكون على مقتضى ما هو المقصود من ذلك الأمر . وقد مثلت لها المجلة بمثال « اللقطة » فإذا أخذها شخص بنيّة ردها حلّ له ذلك ، وإذا أخذها بقصد الاحتفاظ بها لنفسه عدّ غاصبا . ومثال آخر يوضح هذه القاعدة فمن قتل غيره بلا مسوغ مشروع إذا كان قاصدا مثله فإنه يجب عليه القصاص ، وإذا حدث القتل بدون قصد فإنما عليه الدية دون القصاص « 2 » . وهكذا نتمكن - من خلال هذه القواعد - من استنباط العديد من الحلول الجزئية المندرجة تحتها .
ولو فحصنا القاعدة القائلة : « الأصل بقاء ما كان على ما كان » . لوجدنا أن معنى هذه القاعدة يتحدد في أن الشك الطارئ لا يغير حكم اليقين السابق ، فإذا كان ثبوت شيء متيقنا لا يحكم بزواله بمجرد طور ، الشك بزواله ، إلّا إذا قام الدليل على عكس ذلك . فلو قال شخص أظن أني مدين بعشرة دنانير لا يعتبر هذا إقرارا بالدين لأن براءة الذمة هي المتيقنة .
ويتفرع عن هذه القاعدة الفقهية قواعد أخرى فرعية مثل : « الأصل بقاء ما كان على ما كان » ، وما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه . والأصل في الأمور العارضة العدم . والأصل براءة الذمة ، والأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته . ولا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح . ولا ينسب إلى ساكت قول ولكن السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان . ولا عبرة بالتوهم . ولا حجية مع الاحتمال الناشئ عن دليل . ولا عبرة بالظن البين خطؤه « 3 » . وهكذا تسمح لنا هذه القواعد بتفريع العديد من الحلول الجزئية المنطوية تحتها .
هامش
( 1 ) منير القاضي ، شرح المجلة ، ص 54 .
( 2 ) أ - الشيخ عبد العال عطوة ، المرجع السابق ، ص 119 .
ب - صبحي محمصاني ، المرجع السابق ، ص 180 .
ج - عبد الكريم زيدان ، المرجع السابق ، ص 91 .
( 3 ) أ - د . عبد العظيم شرف الدين ، المرجع السابق ، ص 320 - 326 .
ب - أحمد فهمي أبو سنّة ، المرجع السابق ، مذكرات مطبوعة على الآلة الكاتبة ، ص 57 - 60 .